#dfp #adsense

تقصير ولاية الرئيس سليمان… بين الوهم والاستحالة

حجم الخط

لاقى موقف رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان الذي أعلنه من بكركي وأكده في اليوم التالي، استحسان قطاعات وشرائح لبنانية واسعة وارتياحهم، عندما أعلن بلغة واثقة وحازمة انه حامي الدستور وهويعرف جيداً مصلحة البلاد وهو مسؤول عنها… ولا احد يحدد له اي ساعة يصوت أولا يصوت، فالدستور يشدد على الوفاق وهذه روحيته ورئيس الجمهورية يستكمل المعطيات اللازمة ويقوّم ويُقّدرْ الوضع وهويعرف اذا ما زال هناك مجالاً للوفاق والتوافق اويجب الذهاب إلى التصويت أم لا.

وعندما يجد الرئيس سليمان الوفاق متاحاً، فمن المؤكد أنه لن يذهب إلى التصويت لأنه مؤمن بأن لبنان قائم على الحوار والتوافق بين ابنائه.

واعتبر الرئيس سليمان انه ليس محرجاً على الاطلاق في موضوع شهود الزور، وان الدعوة إلى التصويت هي أسهل الخيارات بالنسبة اليه على المستوى الشخصي، ولكنها الاكثر كلفة على الصعيد الوطني اذا جاءت في التوقيت والزمان الخاطئين واذا غلّبَ مصلحة فريق على آخر.

ارتاح اللبنانيون لهذا الكلام، ونكاد نقول صفقوا له ايضاً، لأنه وضع النقاط على حروف الازمة، أزمة تعطيل مجلس الوزراء وتوقفه عن العمل بسبب موضوع شهود الزور والانقسام حول المحكمة الدولية وتوقف طاولة الحوار الوطني والتي يحاول البعض تحميلها لرئيس الجمهورية زوراً وبهتاناً مطالبين إياه بعرض الموضوع على التصويت في مجلس الوزراء… ان الرئيس هورمز وحدة الوطن، والمؤتمن على الدستور، وهوالذي يحدد المصلحة الوطنية العليا ويعمل بهديها وروحيتها، وهومن يتحمل المسؤولية الدستورية في حفظ الوحدة الوطنية ومقتضيات العيش المشترك وانتظام مؤسسات الدولة، ولا يحق لأي كان ان يملي عليه خياراته وقراراته وكيف يتصرف خصوصاً منهم بعض السياسيين المسيحيين الذين يجاهرون بمطالبتهم بإعادة الصلاحيات لرئاسة الجمهورية.

الرئيس ميشال سليمان رجل سلام وتوافق ووحدة ويكفيه فخراً ان يديه ناصعتان كالثلج وليستا ملطختين لا بالفساد ولا بدماء اللبنانيين واثبت على الاقل منذ وصوله إلى سدة الرئاسة الأولى انه مدرك جيداً لدوره ومسؤوليته كرئيس توافقي يوازن ويوفق بين القوى والاطراف ولا ينحاز إلى أحد ولا يسعى إلى ترجيح كفة أحد على آخر لأنه ليس طرفاً وانما هوراع ووسيط نزيه وعادل ويؤمن بأن الوطن لا يقوم على قهر فئة لبنانية على حساب فئة لبنانية اخرى وان التفاهم هوالسبيل الوحيد لحل خلافاتهم.

كما انه مدرك بعمق للواقع اللبناني وما فيه من توازنات سياسية وطائفية دقيقة لا تحتمل أدنى خطأ أواختلال. ولذلك فإنه الأعرف في تقدير الظروف والأقدر على اتخاذ القرارات الدقيقة والصعبة، ولوتحمل كلفتها حملات افتراء وتجنعليه واعطائه دروساً في الحكم والوطنية من بعض السياسيين الذين يعيشون بين وهم تقصير ولاية رئيس الجمهورية وبين استحالة الوصول إلى هذا الهدف، ونقول لمن نسي اوتناسى ان تجربة الرئيس اميل لحود لا تزال ماثلة امام عيون اللبنانيين وكيف بقي حتى آخر لحظة من ولايته الممددة في قصر بعبدا على رغم حملة " فل " وكل الظلم والافتراء والتجني التي تعرض لها من المعارضة والموالاة على حد سواء وكل على طريقته وهذا دليل ساطع على فشل المراهنة على هذا الخيار من قبل بعض الطامحين.

وفي هذه المناسبة واذا كان الشيء بالشيء يذكر فليسمح لنا الرئيس سليمان ومن منطلق صديقك من صدقك وبكل احترام ومحبة ان نقول له بأنه غير موفق في بعض المحسوبين عليه خصوصاً اولئك الذين يضعون رجل في البور ورجل في الفلاحة ولا ينطقون بكلمة واحدة في كل مرة يتعرض فيها للانتقاد والهجوم الشخصي، أولحملة سياسية ظالمة وغير مبررة من قبل اطراف سياسية مختلفة، كما انه لا يحسد على مكتبه الاعلامي الذي يغط في نوم عميق ويعيش في عالم ثان في وقت وجب على مكتبه هذا التواصل مع جميع المعنيين في الشأن الاعلامي من اجل توضيح المواقف ووضعهم في حقيقة موقف الرئيس والاسباب التي أدت إلى اتخاذه هذا القرار اوذاك الموقف، لوضع النقاط على حروف الحقيقة في كل مرة يتعرض فيها الرئيس لحملة ظالمة وكاذبة من بعض الاقلام المأجورة والسياسيين الحالمين… فأقتضى التوضيح.

وبالعودة إلى موضوعنا لم يلجأ الرئيس سليمان إلى الخيار الأسهل وهوعرض موضوع شهود الزور على التصويت تاركاً الامور على سجيتها وتاركاً " البطيخ يكسر بعضوا ويلي بدويصير يصير "، وانما لجأ إلى الخيار الأصعب آخذاً الوضع " في صدره " وعلى مسؤوليته. ولقد فعل ما يمليه عليه واجبه وموقعه الوطني ودوره التوافقي ومصلحة الوطن والمواطنين. وهنا لا بد من لفت انتباه من يهمه الأمر بأن دور رئيس الجمهورية ليس دوراً تقنياً في احالة تلقائية للمسائل على التصويت من دون تقدير للعواقب المترتبة على هذا القرار ونتائجه على الوطن، ورئيس الجمهورية ليس صندوق بريد تمرر عبره الرسائل والمواقف ليكون في موقع المتلقي لا المبادر…

لرئيس الجمهورية وحده يعود أمر تقدير الظروف والاوضاع وتقرير ما يجب فعله. ومن الطبيعي في التزامه للدستور نصاً وروحاً ان يعطي التوافق الأولوية المطلقة وان يستنفذ كل الفرص والمحاولات قبل الانتقال إلى التصويت كخيار أخير، فكيف اذا أتى التصويت في ظرف دقيق للغاية كالذي نعيشه اليوم وفي مسألة حساسة هي موضع نزاع وصراع وفرز طائفي ومذهبي حاد بين اللبنانيين.

فالذين يدعون إلى التصويت خلال جلسة مجلس الوزراء، يعرفون ان التصويت سيؤدي إلى انقسام حكومة الوحدة الوطنية وفرط عقدها وسيصعب قيام أي حكومة من بعدها. كما سيؤدي ايضاً إلى تأجيج الصراع المذهبي الخطير واخراج الامور من اطار مجلس الوزراء وطاولة الحوار الوطني واعادته إلى الشارع مجدداً، وربما من حيث لا يدرون يعملون على عرقلة المبادرة السورية – السعودية وافشالها وهي التي يراهن عليها اللبنانيون جميعاً وخصوصاً منهم حزب الله وتيار المستقبل المعنيان الاساسيان في موضوع المحكمة الدولية. ويعلقون آمالاً كبيرة على هذه المبادرة التي تشكل الملاذ الآمن لوأد الفتنة بين اللبنانيين عموماً وبين السنة والشيعة خصوصاً ووقف نتائجها الكارثية على لبنان وعلى المنطقة العربية بأسرها.

ارتاح اللبنانيون لموقف الرئيس ميشال سليمان لأنهم شعروا ان لديهم رئيساً لا ينصاع لضغوط من هذا الفريق أوذاك وهذا ما يجعله عرضة للانتقاد من قوى 8 آذار حيناً ومن قوى 14 آذار حيناً آخراً… ولأن الرئيس أثبت مرة جديدة انه " رئيس موقف وقرار " وان الرئيس التوافقي لا يعني ابداً الرئيس الضعيف الذي لا رأي له، وهوليس رئيس "اللاموقف واللاقرار " وانما الرئيس الذي يلتزم واجب حفظ التوافق والتوازن الوطني حتى لواضطره ذلك في اوقات صعبة ومفصلية إلى اتخاذ قرارات سياسية يمكن ان لا تعجب هذا الفريق وان لا ترضي ذاك الفريق ولكنها تتوخى المصلحة الوطنية العليا والتي ستثبت الايام اللاحقة صوابيتها وأحقيتها.

الرئيس سليمان قال كلمته ومشى، وكررها أمام قائد الجيش وقادة الاجهزة الامنية الاخرى خلال معايدتهم له في قصر بعبدا وكذلك خلال زيارته الاخيرة لوحدات الجيش اللبناني البطل في جنوب لبنان، واضعاً الجميع أمام مسؤولياتهم وملتزماً مسؤوليته الوطنية ومؤكداً ان ما من أحد وما من شيء يمكن ان يضعف رئاسة الجمهورية ويثنيها عن دورها ومسؤولياتها، فإنه استحق تقدير اللبنانيين وارتياحهم لأن الرئيس التوافقي صار مرادفاً للرئيس القوي، وليس مسموحاً ان يكون مكسر عصا أوموضع ابتزاز ومزايدة أوان يستضعفه أحد و" يستوطي حيطه "… والرئيس سليمان عبر موقفه الاخير لا يرسل فقط اشارة تعبّر عن رفضه لاستمرار بعض السياسيين المسيحيين في سياسة المزايدة والابتزاز من اجل طموحات شخصية وخاصة، وانما يرسل اشارة إلى ما هوأبعد من ذلك وما يتجاوز الازمة الحالية للتأكيد انه ملتزم تنفيذ ما وعد به وما يطمح اليه من اصلاحات في الدولة ومن تعزيز صلاحيات رئيس الجمهورية، وبما يُمَكّنه ويُمَكّن أي رئيس جمهورية في المستقبل من القيام بدوره كما يجب ومن تحمل المسؤوليات المناطة به… والرئيس ميشال سليمان عندما يحدد دوره وموقفه في مسألة ظرفية وطارئة انما يحدد نمطاً وسلوكاً ونهجاً في الحكم والدولة ويقدم نموذجاً لما سيكون عليه التصرف في حالات وظروف مشابهة وكل مرة اقتضى الأمر اتخاذ موقف وقرار.

واذا كان اللبنانيون عموماً والمسيحيون خصوصاً تفاعلوا إيجاباً مع موقف الرئيس سليمان، فإن اللبنانيين المستقلين وغير المنتمين إلى احزاب اوقوى سياسية كانوا الاكثر تفاعلاً وارتياحاً خصوصاً عندما شعروا بأن رئاسة الجمهورية تحاول استعادتها دورها الطبيعي والفاعل وتأثيرها الايجابي في مسار الاحداث، وعندما رأوا ان الموقع الاول في الحكم هوفعلاً فوق الصراعات الطائفية والمذهبية وعلى مسافة واحدة من الاطراف السياسية والحزبية كافة في البلاد على عكس ما يحاول البعض تصويره، وان رئيس الدولة مترفع عن المصالح والحسابات الضيقة والشخصية ويضع المصلحة الوطنية العليا والوحدة والتوافق والتوازن والاستقرار وغيرها من القيم والثوابت نصب عينيه هدفاً وبرنامجاً وحلاً.

والأهم من كل ذلك ان المسيحيين الذين شبعوا احباطاً وضاقوا ذرعاً بالانقسامات الحادة في صفوفهم وبين سياسييهم، ووضعهم امام خيارين ومشروعين لا ثالث لهما، تتاح لهم اليوم فرصة الخروج من هذا الأفق الضيق إلى آفاق رحبة واسعة عبر خيار ثالث ومشروع يتجاوب مع حاجاتهم وهواجسهم وتطلعاتهم وخوفهم على المستقبل، وهومشروع الدولة القوية بوحدتها واستقرارها، بجيشها ومؤسساتها العسكرية والمدنية، القوية برئيسها الذي لا يؤثر فيه ترغيب أوترهيب ولا يملى عليه موقف ولا يقبل بمزايدة عليه ولا يعمل بغير قناعته وما يراه في مصلحة لبنان واللبنانيين…

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل