#adsense

أهل المبالغة..!

حجم الخط

تبقى المبالغة نسقاً ملازماً لأداء الممانعين وأشباههم والوافدين الجدد الى مدارسهم على حد سواء.

لا تواضع في الكلام ولا في الأحكام، ولا في طرح نظريات مطّاطة فضفاضة في كل موقع ومقام وحادثة، سواء كانت هذه متواضعة أم متجبّرة في أثرها وتأثيراتها، كبيرة أم صغيرة في حيثياتها وبنيانها.

وذلك النسق الممجوج لا يفعل إلا تأكيد صدوره عن أفق ضيّق فيما يدّعي الرحابة والاتساع. يقارب اللحظة باعتبارها مستدامة وصانعة تاريخ، فيما هي "لحظة" في السياسة وفي غيرها، مثلها مثل تفاصيل كثيرة لا تقدّم ولا تؤخّر إلا في الهامش من دون الوصول الى المتن.

ولا يعني ذلك الأداء قصوراً في الرؤية بقدر ما يعني ترجمة لأحادية لا تستطيع أن تكون ثنائية. بمعنى أنها تستبطن رفض الآخر، أو التشاوف عليه، أو المكابرة إزاء وجوده في الأساس. كما تستبطن في وعيها أو غشيانها نَفَساً استئصالياً لذلك الآخر المختلف، وتبرّماً من محاججته ومجادلته ومساحة اعتراضه وسعة بيانه وفصاحة مطالعاته وتأكيده المتتالي لحقه الطبيعي والمكتسب بحريته وشروطها وآلياتها التنفيذية والتفصيلية!

لا يأتي هؤلاء الاستئصاليون من سوية فكرية قادرة على فهم بديهيات الدنيا وأصول الاجتماع البشري. بل لا يعطون أي انطباع بأنهم يحملون أي همّ "لتوضيح" الرؤية حيالهم… مكتفون بذواتهم، ومتشبّعون بأناهم. ويفترضون سلفاً أن لا داعي لتضييع الوقت والجهد في شرح مطالعاتهم لمن هم دونهم في الإدراك والمقام والقدرات..!

ولتلك المبالغات ترجمات متعدّدة، في السياسة والثقافة وما يتناسل من هذه في اللسانيات والإعلام وتفاصيل الأداء. بحيث يصير الحدث العابر مفصلياً وقاطعاً وبتّاراً لا يحتمل أي تواضع: تشطب مقوّمات بنيان عمره مئات السنين بسبب تنافر آني في قضية ما، بغضّ النظر عن خطورة تلك القضية وكبرها وتأثيرها الحاسم في الحالات الراهنة. وتُلغى بشطبة قلم أو نبرة خطاب أو صرخة تهديد، مقامات وأساسات لا بد منها ومن حمايتها وصيانتها إذا أُريد البقاء في هدأة الاجتماع الوطني العام، وإذا أُريد قبل هذا، صبّ كل الجهد باتجاه أخطار وجودية حقيقية آتية من خارج أو من جوار ذلك الخارج…

يستبدلون بمبالغاتهم الأوهام مكان الحقائق ، ويستبيحون مكارم اللغة وآدابها واشتمالها على معناها الأول: التخاطب بين البشر. وإلا ما كان لشيء أن يميّز هؤلاء عن نزلاء الغابات وبراري الضواري و"سكان" صفحات كتاب "كليلة ودمنة".

لا تشي المبالغات الصوتية إلا بعكسها تماماً، مثل الفطرة الأولى التي علّمت الإنسان الأول أن يرفع صوته لدى مروره في مقام الخوف، لطرد خوفه قبل أن يطرد الخائف منهم.. لا يفعل أقوياء الحجّة إلا عكس ذلك. ينضبّون على حجّتهم ومتانة بنيانها، ويخفضون الصوت خشية هرب الخائف من قوّة حجّتهم تلك!

مبالغو الممانعة والمناتعة عندنا ومن حولنا، ضعفاء ممتازون ومميزون، يرفعون الصوت ويسقطون المقام، ولا يحصدون إلا الأوهام!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل