#dfp #adsense

وِصِل الدايم دايم يا ستي…

حجم الخط

لماذا يا ستي في الغطاس يفرّ وجهك من زمن النسيان، ويقف بعنف على باب ذاكرتي. الكل يسألني السؤال.

ربما لاني لا أريد أن أنسى. أريد أن أبقى طفلة محتجزة في الزمان فوق معك في الضيعة، أتمتّع بمراقبتك وانت معجوقة في اعداد حلوى العيد. تطعمين هرتك النهمة المغناج، وتسرعين الخطوات في الليوان (القاعة الكبيرة في قلب البيت) قبل دهمة الليل ومجيئه، وأنا لا أفهم السبب ولا مَن الاتي."مستعجلة يا ستي هلأ بيوصل، زيحي من الدرب بدّي حضّرلو كبايات المي والشمع ع المَنْوَر، وقلّي الزلابيات قبل ما يوصل ويدق ع الباب". مين يا ستي رح يوصل؟ ولا القى الجواب. والحق بستي من غرفة الى غرفة في البيت العتيق الشاسع، اراقبها وهي تلهث خلف خطواتها، تحضّر الزلابية المقلية بالسمن الحموي، جدي مات وما عادت تخشى أمراض الزلال ولا الكولسترول، وفي ثقافة الضيعة لم يكن لزيت المازولا ولا اللوسيور وما شابه، من وجود، انما زيت زيتون صافي من خيرات الارض أو السمنة.

انهت ستي تحضير وليمة الحلويات. معكرون وعوامات مغمّسة بالقطر، قمح مسلوق مع الجوز واللوز والتين المسطوح، صف متراصف على النافذة من أكواب المياه وفي قعرها قطعة نقدية وشموع وخميرة.

تهرع ستي الى الحمام تغتسل بالصابون البلدي. ترتدي فستانها البني المعرّق بالورود الزرقاء. فستان، لا تلبسه الا في المناسبات الخاصة فقط، ويوم الاحد. تعقد فوق رأسها المنديل الابيض بأويا. تجلس الى كرسيها الهزّاز تغزل الصوف والوقت. تداعب من حين لاخر هرّتها الخمول، ولا تلبث أن يغلبها النعاس فتروح في الاغفاءة. وفجأة وقبل أن تدق الثانية عشرة ليلا بعشر دقائق، تستيقظ ستي على منبّه انتظارها، تحمل مسبحة الصلاة، وكانون في الخارج ثلج يغزل الليل على وقع دقات قلبها. تنتشلني واخوتي من براءة النوم "يللا قوموا يا ستي وِصِل"… ويقرع جرس الكنيسة لزائر منتصف الليل.

الى النافذة نقف قربها ننتظره. لا نراه. لكننا نسمع حفيفه الناعم ينقر بقوة على قلوبنا. نرى شعاعه من خلف الستارة المخرّمة. في صقيع كانون يجتاحنا دفء غريب. عاصفة حب تهب فينا. تضحك ستي من قلبها " سمعتو يا ستي؟" وتنسحب مبتسمة هائمة على سعادتها، وتغلّ في سرير الزمان وتعود لتنام في الغيوم، وتبتعد في الايام.

اطمأنت الى ان الدايم دايم وفى بوعده كما يفعل دائما. قرع في ليل الظلام على أيامنا. ندهنا لاستقباله. بشّرنا اننا لسنا وحدنا في هذا العالم الموحش.

أكيد ستي سعيدة وهي تعرف اني أكتب عنها. لعلها تحضّر فوق الحلويات لجدي وهو بقربها يحرقصها. لكن الاكيد ان ستي لا تعرف كم أحسدها. لانها فوق ومعي في ان واحد. أحسدها لانها لم تعد تتذوق مرارة الايام، حين يغلبنا الظلم والظلام. أحسدها لانها تلمس ثوب المسيح، تشعر بطيفه الحنون يعبر من أمامها. يخربط منظومتها، يشوّش على مشاعرها المجنونة بالمحبة، فلا تعرف من ستحبّ أكثر، ولا أين ستضع كل هذا الحب وعلى من ستوزعه. أحسدها لانها بقربه على الدوام، ونحن، نحن المساكين العالقين في الهوّة الكبيرة، لا نفتح له الباب الا عندما يطرق علينا بقوة، وهو كل يوم دايم دايم، كل يوم يطرق علينا بقوة، لكننا غالبا لا نسمع… فلا نفتح.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل