من يسمع النائب ميشال عون في حديثه الأسبوعي الأخير بعد اجتماع تكتله النيابي يتكلم ويرد على كلام الدكتور سمير جعجع المتلفز بتاريخ 3/1/2011، والزوايا التي انطلق منها الجنرال في رده على الحكيم بما خص خيارات المسيحيين والعداوة مع سوريا، ينتابه شعور عفوي تلقائي غير مبرمج بأن الجنرال وقع ضحية فقدان الذاكرة وجهله التاريخ والجغرافيا، خصوصا فيما يتعلق بسوريا وعلاقات لبنان مع جارته "الألدّ" على مر تاريخه الحديث وصولا الى يومنا هذا.
ولأن وضع بعض النقاط على الحروف أمر ضروري كي لا يترسخ لدى بعض الرأي العام ضلال نظرة الجنرال الى الدور السوري الحقيقي في لبنان، وبالتالي يقنع بعضهم بأن الضحية هي الجلاد والمعتدي ليقلب بذلك كل منحى التاريخ وشواهده ومحطاته الراسخة في الفكر الجماعي للبنانيين والمسيحيين خاصة، نرى ان نذكر الجنرال بما يأتي:
أولا: ان الانفتاح على العمق العربي لا يقتصر على سوريا، فسوريا باب ولكنها ليست الباب الوحيد، وليست اختصارا للعروبة. وبالتالي بين الانفتاح فقط على سوريا والانغلاق على 400 مليون عربي غير سوريين، من المحيط الى الخليج، بحكم خيارات سوريا الاستراتيجية التي كرست انفصالها عن الجسم العربي منذ تحالفها مع الجمهورية الاسلامية الايرانية، فاننا نفضل خيار الانفتاح على 400 مليون عربي وهم العمق العربي وليس فقط البوابة التي يكتفي الجنرال وامثاله في قوى 8 اذار بها، وخصوصا متى نظرنا الى الاستراتيجية السياسية والاقتصادية المتكاملة للبنانيين، والمسيحيين تحديدا الذين يعيشون في الدول العربية ويساعدون وطنهم الام واهلهم ماديا واقتصاديا من خيرات العالم العربي، في وقت لم يقو النظام السوري إلا بنهش الجسم اللبناني والاستفادة من ثروات لبنان وموارده لمنفعته، بعد ان نجحت دمشق في شق صف اللبنانيين بين موالين لها على حساب الولاء للبنان ومعارضين لها على أساس الولاء للبنان اولا.
ثم فليقل لنا الجنرال اين سوريا اليوم من العروبة والعرب ومصالحهم؟؟؟ وهي المتفردة في نهج منفصل مع الايرانيين حمل عاهل المملكة السعودية الى محاولة اعادتها الى الحظيرة العربية يوما. ومنذ اعلان قمة بيروت والمبادرة العربية للسلام التي نالت اجماعا عربيا ولا تزال باستثناء سوريا، اين سوريا من العروبة اليوم قبل ان نتكلم بالشعر عن الدور الاول للسوريين اليوم في العالم العربي؟
ثانيا: مشكلة العماد عون ان قصر النظر والتعمية عما يحصل في حقيقة الواقع الملموس والمعيوش من اللبنانيين، بلغت حدا انه لم يعد يعتبر سوريا عدوة له بمجرد انها انسحبت من لبنان عسكريا ومخابراتيا، بحيث ان نضاله الاستقلالي والسيادي انتهى بخروج الجيش السوري والمخابرات السورية من الارض اللبنانية. فكل ما عدا ذلك منذ 2005 الى اليوم تجنيات بحق السوريين، وهنا المنطق الخطير على المسيحيين بالذات، لان الجنرال يأبى ان يرى ويشاهد ويلاحظ ويسمع يوميا ومنذ 2005 المواقف السورية الرسمية من راس الهرم الى ادناه في النظام السوري يتهجم على فريق واسع من اللبنانيين السياديين والاستقلاليين الذين تجرأوا عام 2005 على المطالبة بخروج جيشه من لبنان بوحدة وطنية واجماع وطني اسلامي – مسيحي قل مثيله في تاريخ لبنان القديم والحديث، ويعلن جهارا انحيازه الى فريق لبناني ضد فريق اخر وصولا الى اعلان صحفه ووسائل اعلام هذا النظام يوميا عدم اعترافها بقسم كبير من المسيحيين ، فقط لانهم تجرأوا يوما على رفض سيطرته على لبنان وعلى رفض نفوذه الامني المخابراتي العسكري على المسيحيين.
وهنا نسأل الجنرال: هل نضالات شباب التيار الوطني الحر في 7 اب 2001على سبيل المثال كانت فقط لاخراج الجيش السوري او للمطالبة بالاستقلال عن سوريا؟ يومها كان الجنرال نفسه يعتبر ان النظام السوري "صاحب اطماع تاريخية في لبنان"، وليس فقط نظام محتل عسكريا ومخابراتيا للبنان؟
فتبسيط الامور والحقائق التاريخية والسياسية لن تفيد الجنرال في هروبه الى الامام لان تاريخ المسيحيين الحافل مع سوريا سيظل يلاحقه، لان التاريخ لا يرحم ولن يرحم من يحاول تلميع الصور والتعمية عن الحقائق.
ثالثا: من يعادي من؟ سؤال اخر نطرحه على الجنرال. فهل لبنان عادى سوريا عندما اقرت الجمعية التأسيسية السورية بتاريخ 11 اب 1928 الدستور السوري الذي لم يعترف باستقلال لبنان ولا بلبنان الكبير بدليل ما جاء في المادة الثانية منه "…ان البلاد السورية المنفصلة عن الدولة العثمانية هي وحدة سياسية لا تتجزأ ولا عبرة بكل تجزئة طرأت عليها بعد نهاية الحرب العالمية "؟
وهل لبنان عادى سوريا عندما نشرت صحيفة القبس السورية عام 1936 مقالتها الشهيرة التي جاء فيها "… ان لبنان جزء لا يتجزأ من وطننا السوري الكبير …"؟(علي شعيب – مطالب جبل عامل – ص.157).
وهل لبنان عادى سوريا عندما تدخل حزب البعث السوري مباشرة في الحياة السياسية الداخلية للبنان اعتبارا من العام 1953 ومناداة القيادة البعثية بتمسكها بعروبة لبنان وبالنظر الى القضية اللبنانية من منظار قومي عربي للقضاء على الطائفية والانعزالية (تدخل سافر في الشأن البناني الداخلي وتأجيج الاصطفافات السياسية ) وما نجم عن ذلك من تحريك المجموعات البعثية ضمن اطار الجامعة الاميركية بداية وصولا الى انخراط البعثيين في مواجهات مباشرة مع الرئيس كميل شمعون وقيادة تحركات جماهيرية ومسلحة في لبنان لتأييد الثورة المصرية عام 1952ومشرو الوحدة السورية المصرية؟
وهل لبنان عادى سوريا عندما تدخلت سوريا للاطاحة بالرئيس بشاره الخوري عام 1952 وقد اتهمها مباشرة في كتابه (حقائق لبنانية – ج 3 – ص.457 و 458)؟
وهل لبنان عادى سوريا عندما شنت دمشق هجوما سياسيا عنيفا على لبنان لكونه رفض الانضمام الى الحلف التركي – العراقي ما لم تنضم اليه غالبية الدول العربية كما صرح في 8 نيسان 1955 الفرد نقاش وزير خارجية لبنان آنذاك؟
وهل لبنان عادى سوريا عندما اعدت خطة الانقلاب على رئيس لبنان كميل شمعون عام 1958 من دمشق (راجع اعترافات قائد المقاومة الشعبية في بيروت رشيد شهاب الدين – ارشيف المقاومة الشعبية – الوثيقة رقم 8- ص 400) ونفذت باشراف وتنظيم ودعم سوري مباشر فيما عرف بثورة 1958؟
وهل لبنان عادى سوريا عندما كانت دمشق تحيك المؤامرات ضد اللبنانيين وعلى ارض لبنان على الدوام فنذكر على سبيل المثال لا الحصر اتهام الزعيم الراحل كمال جنبلاط في شهر ايلول 1964 نظام البعث في سوريا بالقيام بتخطيط وتنفيذ عمليات تطال امن لبنان، واصدار السلطات اللبنانية في 25 ايلول من العام نفسه مرسوما بمنع حزب البعث من ممارسة اي نشاط سياسي في لبنان مع بداية عهد الرئيس شارل حلو؟
وهل لبنان عادى سوريا عندما دخلت سوريا لبنان عسكريا تحت ستار حماية المسيحيين تارة وستار حماية المقاومة الفلسطينية من ثم طورا؟
وهل لبنان عادى سوريا عندما انقلب جيش الردع السوري في لبنان الى جيش احتلال ومن ثم الى جيش تقسيم للبنان الى منطقتي نفوذ بين اسرائيل وسوريا اعتبارا من 1982؟
وهل لبنان يعادى سوريا اليوم في وقت صحف النظام السوري كالوطن وتشرين وسواها تهاجم بانتظام وشبه يوميا الفريق اللبناني المناهض لفريق النظام في لبنان اي قوى 8اذار وتصدر من المسؤولين السوريين من اعلى الى ادنى الهرم مواقف الغائية بحق فريق مسيحي كبير في لبنان كي لا نقول مواقف املائية لا مجال للتبحر في ذكرها الان …؟
وهل لبنان يعادى سوريا اليوم ودمشق تسمح لمنظمات فلسطينية وارهابية بالدخول الى لبنان واقامة المعسكرات المسلحة والعبث بامن واستقرار لبنان واللبنانيين .
وهل .. وهل … وهل … يبدو ان ذاكرة الجنرال هي التي تخونه وليس ذاكرة الحكيم اليقظة والواعية والمدركة… فالمأساة الكبرى هي عندما يجهل بعض زعماء لبنان تاريخ بلادهم السياسي ويدعون في الوقت نفسه امتلاك العلم والمعرفة والادراك بصوابية ما يفعلون فيعيرون الاخرين بما هم جاهلون فيه…
فاذا اردنا السير في منطق الجنرال علينا الخيار بين محو لبنان السياسي من الخارطة لتذويبه في البوطقة السورية، واما نزع اي حق بالسيادة والاستقلال للبنان والقبول بكوننا تابعين للنظام السوري… فلا خيار اخر يقودنا اليه منطق الجنرال…
وللحديث تتمة … يا جنرال …
