يكاد "بعضهم" في هذه الايام يتحدث عن "مشروع ذمة" ينتظر المسيحيين في هذه المنطقة من العالم، في ضوء ما حصل في الكنيسة القبطية في الاسكندرية وقبلها في كنيسة سيدة النجاة في العراق، مع علم هؤلاء "البعض" ان الكلام على استهداف المسيحيين قد تجاوز الكلام على استهداف الشيعة من قبل السنة … والسنة من قبل الشيعة في العراق وباكستان واليمن ومناطق اخرى لم تعد تعرف مكاناً لسلطة تمارس دورها في حماية مواطنيها بما في ذلك حماية مصالح الدولة ودستورها وانظمتها؟!
لقد قيل في مرحلة الحكم السابق في العراق ان الطائفة الشيعية كانت مستهدفة في ايمانها وعمقها ووجودها، فيما كانت الطائفة السنية تعاني المشكلة عينها في اماكن الثقل الشيعي، وهكذا بالنسبة الى الاكراد والتركمان ومن لف لفهم. وهذه الحال حاصلة مراراً وتكراراً في عدد من مناطق تركيا. ولا يعقل ان تنحصر في مكان بدلائل لا تحمل اي التباس بالنسبة الى ما حصل ويحصل بعيداً من الاضواء في مناطق الخليج العربي وفي ايران ايضاً وايضاً؟!
هذه المعزوفة قد لا تكون جديدة، بقدر ماهي مرشحة لان تتطور بفعل مشاريع وغايات مشبوهة لا تبدو اسرائيل بعيدة منها، خصوصا ان اي تحول مذهبي في المنطقة العربية عموما وفي لبنان خصوصا سيصب تلقائيا في مصلحة "الدولة العبرية" التي تنشط في هذه الاونة وراء مشروع تهويد فلسطين بعدما فشلت في تهويد شعبها وفضلت عليهم استجرار اللاجئين اليهود من اقاصي الارض وحولتهم الى مواطنين على حساب اهل البلاد؟!
وفي مقابل هذه الدراما الوطنية والانسانية والاخلاقية والايمانية، لا تزال الفرقة الفلسطينية قائمة على قدم وساق فضلا عن وجود استعدادات متبادلة بين سلطة الحكم الذاتي ممثلة بحركة "فتح" والتنظيمات المتحالفة معها في مناطق الضفة الغربية، وبين حركة "حماس" والتنظيمات المتفاهمة معها من خصوم "فتح" في قطاع غزة، لان يستمر التناحر الدامي والمصيري الى ابعد مما بلغه من تجزئة ومن عنف. الامر الذي يعزز عوامل الفرقة الفلسطينية كما يعزز عوامل التأثير في مجريات البحث عن حلول قد ترضي طرفا على حساب طرف آخر، بعدما اثبتت التجارب ان محاولات اميركا وغيرها لخلق تفاهم سلمي قد اصطدمت بتصلب اسرائيلي مشبوه قد لا يكتفي بتهويد مناطق الحكم الذاتي طالما انه فشل في وضع اليد على القطاع على رغم المجازر التي ارتكبها العدو بحق شعب غزة وارضها!
صحيح، ان اصوات المنددين بالمجازر بحق المسيحيين في العراق وفي مصر قد فاقت ما عداه، لكن المؤكد ان التنديد لا يكفي ولا يفي بالغرض، حيث يعرف الجميع ان من فعل فعلته مرشح لان يكررها طالما ان السلطات المعنية بالحماية وحفظ الامن غير قادرة على توفير المتطلبات المشار اليها لاشخاصها وقياداتها ومسؤوليها.
والاصح ايضاً تجنب الانزلاق نحو "عنصرية الاتهام" كي لا يقال لاحقاً ان ثمة مسؤولية مسيحية في عدم التعاطي الجدي مع مواضيع بمثل ما هو حاصل!
عون بالطالع … عون بالنازل؟!
في الطلة الاخيرة لرئيس تكتل التغيير والاصلاح النائب ميشال عون اول امس الثلاثاء، قال "الجنرال" كلاما مموهاً على الحال السياسية والعامة في لبنان، اصر خلاله على مناهضة خصومه في قوى 14 اذار، كما عبر عما يخالج حزب الله من شعور ومن هواجس. لكنه لم يقارب شعور الاخرين وهواجسهم. كذلك لم يقل كلاماً مغايراً على موضوع الشهود الزور، حيث ربط العمل الحالي والمستقبلي للحكومة بما يحسد مطالب المعارضة اولا ومن بعدها الطوفان!
الذين مع عون يقولون انه منسجم مع نفسه ومع نظرته الى تحالفاته. غير ان هؤلاء لم يلمحوا ما يشجع غيره على الاخذ برأيه السياسي، خصوصا في مجال عرض عضلاته بنسبة تتعدى حجمه بقدر ما يتقصد تصغير حجم سواه، والا لما تأخر لحظة عما يتجاوز فتح النار مباشرة . لكن المفارقة الابرز في كلام عون بعد اجتماع التكتل انه اخذ على رئيس تنفيذية القوات اللبنانية سمير جعجع مناهضته غير المنطقية للدور السوري في لبنان.
كذلك، فان "الجنرال" سقط في امتحان تفسير علاقته المباشرة وغير المباشرة مع دمشق، عندما قال انه لم ير في حياته ولم يسمع عن شخص تحامل على دولة جارة، فيما تجاهل عون ما سبق وفعله في معرض اعتراضه على الدور السوري الى حد فتح النار تحت عنوان "حرب التحرير" متناسياً ما جرته تلك المرحلة من ويلات على لبنان عموماً وعلى المسيحيين خصوصا.
كما تناسى عون كيف جر القوات اللبنانية الى تلك الحرب ثم انقلب عليها بعدما جاء من يخبره انه من الافضل له في حال اراد البقاء في قصر بعبدا ان ينتقل بحربه الى مواجهة القوات!
كذلك، لم ينس احد كيف كانت علاقة عون مع نظام الرئيس العراقي صدام حسين وكم غرف من اسلحة واموال من معينه وظفها ضد السوريين اولا ثم ضد القوات ثانيا، قبل ان تضطره تسويه تلك المرحلة لان يهرب الى السفارة الفرنسية!
ان التجاهل المقصود من جانب عون لتفاصيل تلك المرحلة يسمح له بالكذب على نفسه وجماعته. اما في حال اصر على جر الجميع الى تصديقه فهذا ما لن ينجح فيه طال زمن تغطيته من جانب حزب الله (…) او طال زمن وضوح دوره مع الموساد الاسرائيلي عبر علاقة احد اقطاب التيار غير الوطني العميد فايز كرم الذي تؤكد بعض العلومات انه قد ابلغ الجنرال انه سيكون على استعداد لان يبق البحصة في حال تمت محاسبته على عمالته؟!
هل اصبح عون امام كماشتين: الاولى كماشة القوات ومسيحيي قوى 14 اذار. والثانية كماشة اسرائيل والشيطان الاميركي؟ الرد على السؤالين يحتاج الى بعض الوقت (…) وربما لايام قليلة؟!