لم تلقَ دعوة الرئيس سليم الحص إلى عقد جلسة عاجلة لجامعة الدول العربية بعد تفجير كنيسة القدّيسين في الاسكندرية الصدى المطلوب، والعيب ليس في الدعوة بل في الجامعة "الميتة سريرياً" منذ عقود، بل منذ "ولادتها" وتزامنها المريب مع تضييع فلسطين، ومنذ القرارات الأولى التي اتخذتها وأعلنت لجمهور العالم العربي الساذج أن "القرارات سرية".
بالتأكيد كل الدعوات المنطلقة عبر أرجاء العالم العربي للحفاظ والدفاع عن الوجود المسيحي في الشرق هي دعوات صادقة ومهتمة وتتوجّس خيفة مما يُحاك من مخططات تقسيمية للمنطقة العربية، وحتى نكون موضوعيين خريطة العالم العربي هذه عمرها لا يتجاوز الستون عاماً وقد نفذت مع انتهاء الحرب العالمية الثانية، وهي رسمت في الأساس لإيجاد كيان "إسرائيل" على هذه الخريطة!!
هذه الدعوات الصادقة لا تكفي لمواجهة التهجير المنظم لمسيحيي المشرق العربي، لأنها لا تتجاوز حدود كونها "كلاماً" أو حبراً على ورق، فتهجير المواطنين المسيحيين الأصيلين في وجودهم على هذه الأرض والتي كانوا روّاد وأعلام نهضتها وحماية هويتها العربية، هو دائماً إشارة انطلاق مخطط جديد لزعزعة الخريطة العربية وتقسيمها، سواء عبر إفراغ العراق من مسيحييه وفلسطين من مسيحييها وزعزعة أمن مسيحيي مصر وانفراط عقد السودان كدولة، والتهجير المنظم الذي تعرّض له مسيحيو لبنان – ومازالوا – هو جزء من هذه الخارطة التقسيمية العرقية أو الطائفية أو المذهبية، وهو رسم لدائرة مغلقة من الدويلات المتذابحة لإنقاذ استمرار كيان إسرائيل بعدما بات "ذوبانها" وتلاشيها من الداخل يلوح في أفق العقدين المقبلين.
لم نسمع صوتاً لعمرو موسى يهب لعقد دعوة تشاور على الأقل مع أنه لا يملك بضاعة سوى الكلام، هو مشغول هذه الأيام بالتفكير هل يصدق شعبان عبد الرحيم ويغامر بمنصب رئاسة الجامعة ليترشح لمنصب رئاسة الجمهورية؟! عندما لا تنعقد جامعة الدول العربية من أجل مواجهة الاعتداء على جزء من نسيج أوطانها ليس علينا أن نتوقع سوى بلوغها انفراط عقدها.
استوقفني بالأمس كلام وزير خارجية مصر أحمد أبو الغيط، والرجل عادة صارم وحازم في ردوده عندما يتعلق الأمر بمصر وشؤونها، ولكن لا يحمي الدول أن تكون قديمة وعريقة وعمر حضارتها آلاف السنين حتى، فالعراق أيضاً ضارب بحضارة بابل والآشوريين في أعماق التاريخ ولم يحمِه هذا مما يتعرض له، وفلسطين ليست أقل حضارة أو تاريخية أو عراقة من مصر والعراق ومشروع إقامة دولة "يهودية" على أرضها في مطلع الألفية الثالثة أمر في نفس درجة سوء السعي إلى إعادة تجميع إمبراطورية كسرى!! أما لبنان فحضارته أيضاً تعود إلى ستة آلاف سنة لم تحمِه هي أيضاً من الجنون الذي يضربه منذ عام 1860، فلا هو يتوحّد ولا هو يتشرذم!!
وانعقاد اجتماع عاجل للجامعة العربية يجب أن تخرج الدعوة إليه من مصر أولاً ومن العراق ثانياً لوضع أرضية سياسية مشتركة بين دول العالم العربي لحماية الوجود المسيحي في هذا الشرق البائس لا لتزكزك الدول بعضها بعضاً ولا لتتدخل في شؤون بعضها البعض، فهناك مواطنون هم جزء أصيل وأساسي وسابق في وجوده على وجود المسلمين في حضارات بلاد العرب يتعرض للاستهداف وحمايته واجب وضرورة من استهدافه بمخطط تهجيري مدروس، وكل الخوف ألاّ يتنبه المسلمون حكاماً وأفراداً إلى أن استهداف الوجود المسيحي في المشرق يعني أن وجودهم هو التالي على لائحة الخراب التي تتّسع رقعتها بسرعة دراماتيكية!!
كمواطنة لبنانية، مسلمة، عربية، يُحزنني أن يتمكن أكثر من خمسة آلاف من اليهود من إقامة الاحتفال بحاخامهم "أبو حصيرة" وعلى امتداد أيام في 28 كانون الأول 2010 على أرض مصر في قرية "ميتوه" وتحت حماية مشددة وفي حال طوارئ أمنية، فيما يُستهدف أقباط مصر في كنائسهم ليلة 31 كانون الأول 2011، إنها رسالة "يهودية – قاعدية" بامتياز للمسلمين والمسيحيين على حد سواء، وأصدق ما قاله الأنبا شنودة ذات يوم: "ماذا نفعل إذا كان العرب لا يقرأون"!! حمى الله مصر بمسلميها ومسيحييها عندما ينتصف ليل كنائسها اليوم على ترانيم الاحتفال بعيد الميلاد.