ليس غريباً على الوزير النائب بطرس حرب أن يتلقى الردود المعترضة أو المتحفظة أو الرافضة لمشروع القانون الذي قدمه في شأن منع بيع الأراضي بين ابناء الطوائف المختلفة، برحابة صدر مماثلة للردود المؤيدة لاقتراحه. فهو لا يحتاج إلى شهادة في عراقة الممارسة الديموقراطية الحقيقية والأصيلة، باعتراف المعترضين والمؤيدين، كما في كونه من رموز المساهمين الأساسيين في وضع دستور الطائف.
وإذا كانت من أهمية أخرى لاقتراح الوزير حرب في هذه الظروف الخطيرة التي يعيشها لبنان، وسط المخاوف المتعاظمة على الوجود المسيحي في كل المنطقة، فهي تتجاوز ضرورة النقاش الموضوعي والديموقراطي الحقيقي للاقتراح، إلى اعتبار هذين النقاش والحوار هما مما يحتاج إليه لبنان بقوة في كل قضاياه المصيرية، ولا سيما في أزمته الحالية.
استوقفني في هذا الموضوع ان اقتراح الوزير حرب حقق أهدافاً عدة، ربما من حيث لم يقصدها صاحبها. واعني بذلك الإطار الديموقراطي عموماً الذي طغى على النقاش في شأنه. فالاقتراح أثار ردوداً مختلفة، لم تكن كلها على أساس الفرز ما بين 8 و14 آذار، تحديداً هذه المرة، بل من داخل كل فريق، وكذلك من أطراف آخرين لا ينتمون إلى أي من الفريقين، وهذه نقطة ايجابية جداً، ونادراً ما تحصل حيال أي موضوع مصيري يمس الصيغة اللبنانية. كما أن الردود ابتعدت في معظمها، والى درجة معقولة، من المستوى المتدني للخطاب السياسي وتناولت جوهر الاقتراح، باستثناء بعض المواقف المتوترة ذات الخلفية الجامدة.
طبعاً لا أوافق قطعاً الذين اتهموا حرب بالانزلاق إلى أهداف تقسيمية لأنه لا يمكن أن يتهم بذلك بأي شكل، كما أن الاقتراح وضع في روحيته ومقاصده الحقيقية بهدف محاربة التقسيم والمحافظة على الاختلاط والتنوع والتعدد في كل المناطق اللبنانية، وقد سبقه إلى ذلك كثيرون؟
ورغم ذلك فإن وجهات النظر المعارضة للاقتراح تضمنت، في صورة عامة، ما يوجب أخذها في الاعتبار، تماماً مثل تلك المؤيدة له في ضوء الأخطار الحقيقية التي يشكلها انجراف مسيحي لبيع الأراضي لغير المسيحيين في مناطق ذات غالبية إسلامية. وفي هذا السياق اعتقد أن الوزير حرب حقق الغاية الأساس من اقتراحه، وهي تسليط الضوء بقوة على هذا الخطر ودفعه إلى واجهة النقاش والحوار والاهتمام، وهنا تماماً بيت القصيد، أي طرح القضايا الكبيرة والصغيرة في مكانها الطبيعي، أي في المؤسسات الدستورية، في مجلس النواب ومجلس الوزراء، وكذلك الاحتكام الى الرأي العام عبر منابره المعروفة وفي مقدمها الإعلام.
وأمامنا الان، في هذا الموضوع نموذج جيد وايجابي، مهما تفاوتت وجهات النظر والمواقف في شأنه. على أن العلة عندنا ليست في النظام بل في من يطبقون النظام على طريقتهم وممارساتهم بهدف تقويضه وإسقاطه ومنع مشروع الدولة من أن يكمل طريقه نحو إقامة الدولة الحقيقية القوية والمستقلة والديموقراطية بكل ما تحمله هذه القيم الأساسية من معنى.
ويبقى أن نسأل الذين لا يزالون يعتقدون أن التهويل بالقوة والشروط والتعطيل والمشاريع الانقلابية والاستقواء على مرتكزات الدولة وفي طليعتها إحقاق العدالة، ما هو موقفهم من ظاهرة حضارية ديموقراطية في عز هذه الأزمة التي يفتعلون؟!