#adsense

من يريد حقيقةً العيش المشترك يوافق على مشروع حرب…

حجم الخط

ما أن أعلن الوزير بطرس حرب مشروع القانون الذي اقترحه لوقف بيع الأراضي "إستثنائياً"، ما بين الطوائف، حتى وجه بانتقادات غير مبنية على أسس واضحة، بل يمكن القول إنها مزايدات لا معنى لها، وما لفت أن بعض المنتقدين كان من المفروض أن يكون موقعهم بين مؤيدي المشروع.

فالزعيم وليد جنبلاط الذي إعتبر هذا المشروع من إفرازات المارونية السياسية (هذه المارونية التي جلبت الخير إلى لبنان)، كان أول من أرسل جرافاته قبل عقدين من الزمن إلى القرى المسيحية في ساحل الشوف لهدم بيوتها خوفاً من إحتلالها من قبل طوائف أخرى، وهو بنفسه كما يقال في بعض الأوساط الدرزية ساهم في إنشاء صندوق خاص داخل طائفته لشراء الأراضي من الدروز خاصة في منطقتي حاصبيا وراشيا كي لا يبيعوها إلى أشخاص من طوائف أخرى. وخلال نضاله في صفوف ثورة الأرز كان أكثر من رفع صوته ضد بيع الأراضي بين الطوائف.

كما كان من المستغرب أن ينتقد المشروع نائبا بيروت تمام سلام ونهاد المشنوق، فهل فاتهما وضع المسيحيين الحالي في المنطقة التي يمثلانها؟ ألم يعلما بعد حجم النزوح السكاني المسيحي من منطقتهما باتجاه المناطق المسيحية؟ ألم يخبرهما أحد كم من البيوت والعقارات المملوكة من المسيحيين ما زالت موجودة في البسطة والمصيطبة وراس بيروت والباشورة وراس النبع وغيرها من المناطق البيروتية الاسلامية؟ هل إطّلعا على لوائح الشطب ليعرفا كم بلغت نسبة المسيحيين الذين إقترعوا في الانتخابات النيابية والاختيارية الأخيرة في منطقتهما؟ فهل يحق لهما الاعتراض على هذا المشروع إن كانا حقاً يريدان إستمرار الوجود المسيحي والعيش المشترك في منطقتهما؟ ولو كان الرئيس صائب سلام ما زال على قيد الحياة، هل كان عارض هذا المشروع؟ وهو الذي أصر على مقاطعة الانتخابات النيابية عام 1992 مع ما كلفته تلك المقاطعة مع سلطة الوصاية: ليس أقلها خسارة مقاعد نيابية مضمونة، فقط كي لا تأخذ المقاطعة للانتخابات الطابع الطائفي.

ونسأل النائب طلال إرسلان الذي انتقد مشروع القانون، لو كان الأمير مجيد إرسلان على قيد الحياة فهل كان هذا رأيه؟ من ثم ما هو موقف الأمير طلال إرسلان من بيع الأراضي في منطقتي حاصبيا وراشيا ومدينة الشويفات وساحل عاليه والشوف؟ وما حقيقة الأخبار من أنه يرفض عمليات بيع عقارات الدروز ويشجع المتمولين الدروز على شرائها؟ فيما ينتقد مشروع النائب بطرس حرب عبر وسائل الاعلام.

على الضفة الأخرى كان موقف النائب أحمد فتفت المؤيد للمشروع مميزاً، فحتماً هو يعرف خطورة النزوح المسيحي من المناطق الاسلامية، وهو إبن منطقة أصبحت شبه فارغة من المسيحيين، بعد أن نزحوا عنها بسبب الحرب إلى باقي المناطق المسيحية. كما كان لافتاً موقف الوزير السابق ابراهيم شمس الدين المؤيد للمشروع، وهو نجل من أفتى بمنع بيع الأراضي لغير طوائف قبل سنوات حفاظاً على العيش المشترك.

وخلافاً لادعاءات بعضهم من أن مشروع الشيخ بطرس حرب "لم يعرف مثله لبنان من قبل"، فللتذكير منذ إندلاع الحرب اللبنانية عام 1975 وبداية الفرز السكاني المتبادل بين الطوائف، أدركت قيادات لبنانية عدة خطر هذا الفرز فسعت للحد منه وإيقافه.

بحسب ما أورد الصحافي نقولا ناصيف في كتابه: "ريمون إده جمهورية الضمير"، فالعميد إده سعى طوال سني الحرب الى منع لبنانيين من بيع أراضيهم من لبنانيين آخرين ينتمون إلى طائفة مختلفة للحؤول دون تقسيم البلد بين مذاهبه وإحداث فرز سكاني، ويخبر أنه في آذار 1978 قبل ستة أشهر على إختفائه في ليبيا سمع الإمام موسى الصدر من العميد ريمون إده في آخر لقاء جمعهما في باريس رغبة تمنى عليه نقلها إلى الرئيس الياس سركيس في ضرورة إستعجال إقرار قانون في مجلس النواب يحظر بيع الأراضي في أي مكان من لبنان بين طائفة وأخرى، ويضيف ناصيف أن الإمام الصدر نقل الطلب إلى الرئيس سركيس (ما يشير إلى أنه كان مواقفاً عليه) الذي لم يبد حياله أي حماسة (وهذا أمر مستغرب من الرئيس سركيس).

ويؤكد عدد من المتابعين أن هذا الهاجس (بيع الأراضي والفرز السكاني) كان مرافقاً لمعظم القيادات اللبنانية لا سيما: الرئيس كميل شمعون والرئيس كامل الأسعد والزعيم كمال جنبلاط وغيرهم من دون أن يترجم مواد قانونية تمنع عمليات الفرز باستثناء القانون الذي إقترحه النائب بطرس حرب في 20 كانون الأول 1983 في عز إشتعال حرب الجبل وما رافقها من مغادرة نصفه المسيحي، فكان القانون الذي يمنع عمليات البيع بين الطوائف إستثنائياً في منطقة الجبل بموافقة جميع القيادات.

اليوم، وفي خضم هذه الهجمة الغريبة التي يتعرض لها لبنان، والتي بدلت معالمه التاريخية في عدة مناطق من المؤكد أن إقرار هذا القانون في أسرع وقت ممكن قد يشكل سداً في وجه التقسيم والفرز السكاني، ومن المهم إستتباعه بقانون آخر يمنع نقل سجلات النفوس وأكثر: يلزم الذين نقلوا سجلات نفوسهم خلال سنوات الحرب إلى إعادتها إلى مناطقهم الأساسية.

نعم إن خطر نقل سجلات النفوس لهو أفظع بكثير من خطر بيع الأراضي، أتحدث عن هذا الموضوع وأنا إبن منطقة (البترون) تستقبل شهرياً سجلات قيد جديدة لمسيحيين من الأطراف (حاصبيا وراشيا ومرجعيون وبعلبك والبقاع الغربي وصور والضنية وعكار)، فهنا الخطر الكبير.

هل دقق أحد بنسب الإقتراع لدى المسيحيين في المناطق الاسلامية في الانتخابات الأخيرة؟ فمن يدقق في الأرقام يصدم بالنسب المئوية المتدنية جداً، التي لا يمكن تبريرها باستنكاف المسيحيين عن الاقتراع، ففي الانتخابات البلدية والاختيارية لم يكن هناك استنكاف، بل لا يوجد مسيحيون لينتخبوا في مناطق الأطراف الاسلامية فهم: إما هاجروا أو نقلوا سجلات نفوسهم إلى باقي المناطق المسيحية. فليدقق أي مهتم وسيصدم بالنتيجة.

تبقى رواية من المهم روايتها:

صيف 1975 غادر المسيحيون الشماليون مدينة طرابلس التي يقضون فيها فصل الشتاء عائدين إلى قراهم الجبلية كما كانوا يفعلون منذ سنوات طويلة على أن يعودوا مطلع الخريف، لكن تلك السنة لم يرجعوا بسبب الحرب وعمليات القتل التي طالت الكثير منهم في شوارع طرابلس وإحراق منازلهم ومتاجرهم فبقوا في قراهم.

خريف ذلك العام لم تستطع المدارس في طرابلس فتح أبوابها بسبب غياب الأساتذة والطلاب المسيحيين، فجال وفد من الأحزاب الوطنية على المطرانيات المسيحية في المدينة طالبين من الأساقفة دعوة المسيحيين للعودة إلى طرابلس بضمانتهم، وفي إجتماع المطرانية المارونية كان المونسنيور أنطون دهمان صريحاً مع الوفد فقال لهم: "المسيحي لن يدخل مجدداً إلى طرابلس ليجد كنيستي مار مارون ومار مخائيل ومنزل الوزير طوني فرنجية وبيت الكتائب وبيت الأحرار محروقين، وأنتم تعلمون ماذا تمثل هذه المواقع في الوجدان المسيحي، فالمسيحيون لن يعودوا إلى طرابلس قبل عودة مرجعياتهم، ويوم تعود تلك المرجعيات يعود المسيحيون تلقائياً إلى طرابلس".

لم تعد تلك المرجعيات إلى عاصمة الشمال، ويمم المسيحيون وجههم شطر المناطق المسيحية ونسجوا حياتهم بعيداً عن طرابلس ولاحقاً باع معظمهم منازلهم ومتاجرهم في المدينة، التي أضحى الوجود المسيحي فيها هامشياً.

أنا أسأل القيادات الطرابلسية: بعيداً عن المزايدات هل يستطيعون أن يرفضوا هذا المشروع؟، وهل من مصلحة طرابلس أن تفرغ نهائياً من مسيحييها؟ وهل برأيهم من طريقة أخرى حالياً لوقف النزوح المسيحي عن طرابلس إلا بإقرار هذا القانون؟ هذا إذا كانوا يريدون حقاً أن تبقى طرابلس عاصمة الشمال بمسيحييه ومسلميه.

ما ينطبق على طرابلس ينطبق على باقي المناطق اللبنانية: من بيروت الغربية إلى صيدا وصور وبعلبك والبقاع الغربي وغيرها. وينطبق أيضاً على المناطق المسيحية التي غادرتها الأقليات الاسلامية خلال سنوات الحرب، فالبترون مثلاً التي كانت تعيش فيها قبل الحرب مئات العائلات الاسلامية البترونية الجذور لم تعد تقيم فيها حالياً سوى بضع عائلات، فيما الأكثرية انتقلت إلى طرابلس ومعظمهم باعوا منازلهم وممتلكاتهم.

أما بعد.

المفروض من جميع القيادات اللبنانية التي تبغي حقاً العيش المشترك وترفض التقسيم أن تشكر الوزير بطرس حرب على مشروعه وأن تسعى إلى إقراره وإقرار مشروع يمنع نقل سجلات النفوس، وإلا فلبنان قادم في أقل من عقد من السنين على فرز سكاني طائفي نهائي ولا إمكان بعد ذلك لإعادة التعايش بعد أن يكون هذا التعايش انتهى فعلياً على الأرض.

وقتها تتحق "المشاريع التقسيمية" التي يعارضها بعضهم ويعملون في المقابل على تنفيذها بإدراك منهم أو من دون إدراك.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل