حذرت الإدارة الأميركية من تعرض جهات لبنانية "لابتزاز" حزب الله بهدف تقويض عمل المحكمة الدولية المكلفة النظر في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق، رفيق الحريري، قبل صدور القرار الظني.
واعتبر مسؤول أميركي رفيع المستوى: "كل من راقب لبنان عبر السنوات يعلم أن التوتر في لبنان سرعان ما يمكن أن يتحول إلى عنف، وبالطبع الناس قلقون، ولكن في الوقت نفسه لا أريد المبالغة في تلك المخاوف".
وأضاف في حوار لصحيفة "الشرق الأوسط"، مشترطا عدم ذكر اسمه بسبب حساسية الموضوع: طنرى التصريحات من بعض المسؤولين اللبنانيين من خلفية سياسية معينة وتبدو كأنها ابتزاز أكثر من أي شيء آخر، مثل: (إذا لم تنفذوا ما نطلبه سنحرق الدار)".
وبدا الغضب على المسؤول الأميركي الرفيع المستوى والمطلع على الملف اللبناني من تهديدات استخدام القوة لمنع عمل المحكمة، متسائلا: "متى سيقول اللبنانيون إن حزب الله يصوب مسدسا نحو رؤوسنا.. إلى متى سأمتنع عن التصرف بينما حزب الله يصوب مسدسا إلى رأسي؟"، وأضاف: "حتى حزب الله يفهم أن ليس من مصلحته أن يدفع القتال الطائفي الواسع أو العنف في لبنان، خصوصا أن القضية هي عملية قانونية جارية، فقرار الاتهام ليس حكم محكمة". وبينما تصر واشنطن على أهمية مواصلة عمل المحكمة، ترفض في الوقت نفسه عرض المسألة على أنها مقايضة بين "العدالة" و"الاستقرار". وشدد المسؤول الأميركي على أن "لدى لبنان الكثير من الأصدقاء الدوليين، وكلنا نعلم هشاشة الديمقراطية اللبنانية، ولا أحد منا يتهور".
واوضح: "ولكن في الوقت نفسه، نحن نرى العدالة أنها مبدأ يجب احترامه، واستخدام التهديدات لإحباط العدالة أمر لن يدعمه اللبنانيون أو أصدقاؤهم".
واضاف المسؤول الأميركي: "كلنا قرأنا باهتمام النقاشات حول صفقة سعودية – سورية، وأظن من اللافت أن النقاش حول هذه الصفقة عادة ما يظهر في وسائل إعلام تدعمها سورية، مما يجعل هناك اتجاها (سوري ـــ حزب الله) في القصص المنشورة".
وقال: "ما نسمعه من السعوديين أن هدفهم هو رؤية لبنان مستقرا وآمنا، وهم يعملون من أجل ذلك، وهذه أهداف نشترك فيها، وعلاقتنا مع السعودية قوية إلى درجة تجعلنا على علم بما يحدث إذا كان هناك مثل ما يجري تصويره في وسائل الإعلام". وقال «وبغض النظر عما إذا كنا نحب كل القادة اللبنانيين أم لا، فإننا واثقون بأن اللبنانيين إذا عملوا معا ستكون لديهم الرؤية الأفضل من أجل مستقبلهم".
وردا على سؤال حول المشاورات الأميركية مع السوريين في ما يخص المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، قال المسؤول الأميركي: "نسمع من السوريين علنا ونسمع منهم مباشرة أن مصلحتهم في استقرار لبنان، وأن سوريا ستكون أول الدول المتأثرة من زعزعة استقرار لبنان".
ولكن في الوقت نفسه، عبر المسؤول عن حيرة واشنطن من بعض التصرفات السورية بما فيها توجيه الاتهام لـ33 شخصية لبنانية ودولية في تشرين الأول الماضي بتهمة تضليل التحقيق في اغتيال الحريري. وتعتبر واشنطن أن لائحة الاتهام التي طالت عددا من الموالين لرئيس الوزراء، سعد الحريري، "غير منطقية" وأسهمت في التوتر الذي يسود لبنان.
وشدد على أهمية عدم المبالغة في الرد على الخطوة المقبلة من لجنة التحقيق الدولية، قائلا: "سيقدم مغلف مختوم إلى قاضي الإجراءات التمهيدية للمحكمة الدولية الخاصة بلبنان، هذا ليس إعلان ذنب أي طرف، بل توصية لتقديم الاتهام ليحقق بها القاضي".
وأضاف: "ليس من مصلحة أحد أن يزعزع استقرار لبنان فقط بسبب عملية قضائية قدمت مغلفا مختوما إلى قاض". وتشدد واشنطن على أهمية سير عمل المحكمة الدولية لإنهاء عهد من عدم محاسبة من يقف وراء الاغتيالات فيه، حيث أوضح المسؤول: "هذه فرصة للبنان ليفتح صفحة جديدة".
وعبر المسؤول الأميركي عن ثقته أنه "بغض النظر عما يحدث في لبنان، فإن عمل المحكمة الدولية سيستمر، لأنه قرار مجلس أمن بموجب البند السابع.. كل تصريحات حزب الله غير مجدية".
وأضاف: "حزب الله لن يعرقل المحكمة، ولا أفهم سبب الهستيريا حول العملية القضائية". وتشير الإدارة الأميركية إلى قرار المحكمة الدولية إطلاق الجنرالات الأربعة بعد ثبات عدم إدانتهم، مما أطلق موضوع "شهود الزور"، للبرهنة على مهنية عمل المحكمة الدولية.
وافادت معلومات لصحيفة "النهار" من واشنطن ان مسؤولا اميركيا بارزا اعرب قبل ساعات من لقاء وزيرة الخارجية الاميركية هيلاري كلينتون الرئيس سعد الحريري في نيويورك، عن قلق حكومته مما وصفه بـ"محاولات الابتزاز السياسي التي يقوم بها حزب الله الذي يقول للحكومة وسائر اللبنانيين: اذا لم تفعلوا ما نريده في شأن المحكمة الخاصة فاننا سنحرق البيت بمن فيه". واضاف المسؤول ان النقاش سيتطرق الى المضاعفات التي يمكن ان تبرز عقب القرار الاتهامي، مع التأكيد ان واشنطن لا تعلم بمضمونه او بموعد اصداره.
وكانت كلينتون زارت نيويورك مساء الجمعة "للقاء مجاملة" والعاهل السعودي الذي يمضي فترة نقاهة "لتهنئته بنجاح علاجه" وكذلك للاجتماع مع الرئيس الحريري، قبل عودتها الى واشنطن، تمهيدا لجولتها الخليجية مطلع الاسبوع المقبل والتي ستشمل عمان ودولة الامارات العربية المتحدة وقطر.
وقبل توجهها الى نيويورك اشرفت كلينتون على احتفال قسم اليمين للسفير الاميركي الجديد في سوريا روبرت فورد، قبل توجهه الى دمشق، وقال المسؤول الاميركي ان لقاء كلينتون والعاهل السعودي قد يتطرق بشكل عام وعلى نحو غير مفصل الى بعض القضايا الاقليمية التي تهم الطرفين، ومنها لبنان، لكنه شدد على ان اللقاء هو في الاصل لتهنئة العاهل السعودي بنجاح علاجه.
وصرح المسؤول الاميركي البارز لـ"النهار" ان كلينتون ستؤكد للحريري "التزام الولايات المتحدة القوي لاستقلال لبنان وسيادته، كما ستكرر دعمنا للجهود القضائية الرامية الى انهاء حقبة الاغتيالات السياسية في لبنان".
وتفادى الحديث تفصيلاً عن ما يسمى الاتفاق السوري – السعودي في شأن لبنان، لكنه قال: "بالتأكيد نحن ندعم الجهود الهادفة الى حماية أمن لبنان واستقراره، وأن جزءا من ذلك يجب ان يشمل تحقيق العدالة ومعاقبة المسؤولين عن جرائم الاغتيالات".
وانتقد في هذا السياق ممارسات "حزب الله" ومواقفه من المحكمة الخاصة. وذكر بأن "الديموقراطية اللبنانية تشمل وجود مؤسسات يستطيع حزب الله استخدامها لاي نقاش سياسي، لاننا نعتقد ان جميع اللبنانيين يجب ان يرفضوا مفهوم الابتزاز ومحاولات الترهيب من أي فريق لتحقيق أهدافه السياسية".
وبعدما ذكّر المسؤول بأن اللبنانيين عانوا الكثير من سفك الدماء، رأى ان المحكمة الخاصة "هي وسيلة لانهاء حقبة الاغتيالات السياسية التي طاولت مختلف الفئات اللبنانية. عمل المحكمة لا ينحصر فقط بمعاقبة قتلة الحريري ورفاقه ومن طاولهم الاغتيال لاحقا، لانها يفترض ان تعطي لبنان القدرة على فتح صفحة جديدة".
ولاحظ انه "من الصعب فهم محاولات بعض القوى اللبنانية التي تسعى من خلال التهديد والابتزاز الى وقف عملية ايجابية مفيدة لجميع اللبنانيين".
وعما قيل عن وجود اتفاق سعودي – سوري غير معلن، تساءل المسؤول: "اذا كان هناك اتفاق سعودي – سوري، لماذا يبقى سريا؟". وقال: "نحن مقتنعون بجدية الجهود السعودية وصدقيتها، والمملكة تلعب دورا ايجابيا في لبنان". لكنه أضاف بنبرة عكست مشاعر الاحباط التي يعكسها عادة المسؤولون الاميركيون عندما يتحدثون عن لبنان: في نهاية المطاف على القيادات اللبنانية ان تقرر بنفسها ما هي مصلحة لبنان". وبعدما لفت الى ان التقارير الاعلامية تتحدث دوما عن أدوار وجهود مختلفة لمختلف الاطراف الاقليميين والدوليين حول لبنان ومستقبله، خلص الى "اننا نتساءل دوما أين اللبنانيون أنفسهم؟".
وأعلن ان كلينتون لن تشارك في المحادثات التي سيجريها الرئيس الفرنسي مع الرئيس أوباما الاثنين في واشنطن بسبب جولتها الخليجية، وقال: "طبعا لبنان سيكون من بين القضايا التي سيناقشها الرئيسان، كما هو معروف نحن ننسق دوما سياستنا حيال لبنان مع الفرنسيين".