بعد العراق، مصر، وقبلهما، وبتنويعات "متماهية" لبنان (حروب المذهبية والطائفية)، وبينهما اليمن (الحوثيون وما يمثلون والنظام)، والسودان (النظام الدولة والجنوب) ، من دون أن ننسى فلسطين (السلطة وحماس) وكلها ظواهر تدل دلالة واضحة (ومنذ السبعينات بعد الناصرية وفي ظل الأنظمة الانقلابية، ولا ننسى إسرائيل وأميركا) على انه ما تراكم من أفكار وانتماءات ووشائج وهواجس قومية وسياسية وثقافية وأيديولوجية منذ القرن التاسع عشر، وساهم في بناء "الدولة" العربية، والحداثة العربية و"التنوير" العربي، وحتى منظومة القيم التي نادت بها النهضة العربية، يستمر في التفكك والتشقق وكان من الطبيعي أن المجتمعات العربية، عندما افتقدت كل هذه المناعات والأحلام، "بفضل" الأنظمة التي جوّفتها من أدواتها المدنية، وانتزعت منها مقاومتها وأحلامها، بضرب جوهر الصراع السياسي والفكري وحلّ تعددية الأحزاب لصالح "الحزب الواحد" وطمس الآليات الديموقراطية، والصراعات المرحلية والبعيدة، تحت سقف "الصراع السياسي" وتدمير الحريات وتخريب معادلة اليمين واليسار وتشويه النزعة العروبية المفتوحة وربطها بالأنظمة، وبالأمن، وتحويلها شعارات مقنعة للاستبداد، والطغيان، كان من الطبيعي أن تصبح هذه المجتمعات بلا بوصلة، ولا حماية ولا مناعة: المفرغة من طاقاتها وقراراتها وإراداتها وهذا ما عزز هشاشتها واعدم ريادتها وأبطل خروجها من زمن الظلامية والاستعمار إلى زمن التنوير والاستقلال.
هذه المجتمعات التي فقدت ما تملكه، باتت عزلاء. لا حول لها ولا قوة، لا بالدولة، ولا بالأفكار ولا بالعروبة ولا باليسار ولا باليمين ولا بالليبرالية ولا المعارضة: صارت كأنها شاشة سلبية فريسة النكوص، والعودة إلى الخرافات والأثنيات والطائفية والمذهبية والأصوليات.
فإذا كانت الدولة العربية المُنتهَكة من أنظمتها وقادتها والخارج لم تعد الملاذ ولا العناية ولا الرعاية ولا العدالة ولا التساوي ولا الطموح، فمنَ البديهي أن تشدَكّ هذه المجتمعات بالدولة وقوانينها وشرائعها وجيوشها (التي باتت لحماية الأنظمة وقمع الناس) وتقع في ما يُسمى "الكانتونيات" الجغرافية، أو الاثنية، أو الدينية (تيمناً "بكانتونية" الدولة من قبل اناس فرضوا أنفسهم بقوة المخابرات والاستبداد والقمع والفساد). كانتونية اجتماعية إزاء كانتونية الأنظمة. وهذا يعني أول ما يعني سيطرة الإحباط على الناس. الإحباط من أحزابهم ومن دولهم. وتقبل واقع الأمر "الفوقي" وتقبل فكرة أن لا دور لهم، لا شيء. كميات من الخلائق "مُعَلبَة" بالأعلام والشعارات والقمع والفقر والخوف. هذه السلبية صنعتها وولّفتها وفرضتها الأنظمة: لا تريد مجتمعات حية، تنتقد وتحاسب، وتنتخب، وتُغيّر، وتبني آلياتها وبنياتها، بل مجتمعات مشلولة، تميل بها أعطابها إلى تناحرات في ما بينها، تفتعلها السلطة، لتُعطلها في حروب "يومية" أقل ما يقال فيها إنها حروب الأنظمة على هؤلاء لكي تستفرسهم في معاركهم الوهمية، وتصادر حقوقهم، وتوجه انظارهم إلى ما يجعلها بلا محاسبة، ولا نقد، ولا مقاومة، ولا معارضة. لا شيء: السلطة فوق: والناس تحت. بلا جسور سوى في مناسبات وهمية أيضاً تعبّر عن أقصى الإلغائية والمتمثلة بالانتخابات المبرمجة أو بالبيعات التي تصل إلى 99,99 %. (صدام حسين نال قبل سقوطه 100%). والغريب انه يمكن اجراء مقارنة ما بين ما آلت إليه الأنظمة من هيمنة "عائلية" ومذهبية" وطائفية، وما آلت إليه المجتمعات أيضاً من خلال تفككها أي العائلية والمذهبية والطائفية. فالأنظمة بلا "هوية" فكرية أو سياسية… وكذلك المجتمعات: وكما ان الصراع داخل الأنظمة تحول إلى حد كبير مذهبياً أو عائلياً أو دينياً، لينتقل هذا الصراع "الفوقي" ليطبع المجموعات "التحتية": تطابقات غريبة اليوم ومفاجئة. وهذا يعني أن نسبة الاختلاف بين القواعد وبين الأنظمة باتت شبه معدومة. ويندرج في هذه "المتواليات" ان التناحر حول السلطة بين المجموعات الحاكمة، تناحر لا أيديولوجيا فيه ولا برامج، ولا استراتيجيات ولا أفكار: لا شيء: تناحر "صافٍ" على السلطة بوجهات سلطوية مُؤمنَنَة، أو بذرائع "دينية". وكما جَوّّفت الأنظمة المجتمعات من الآليات المدنية، تجوفت بدورها؛ وكما أضعفت هذه الأنظمة شعوبها، اصيبت بدورها بالضعف إذ كيف تكون الدول قوية بشعوب ضعيفة: ولهذا يمكن القول إن المكونات الهشة للمجتمع باتت تبحث عن وسائل وذرائع استخدمتها الأنظمة ضدها: العُنف، والمزايدة، والدخول أكثر فأكثر في زمن ردود الفعل، والخلايا السرية، والقتل، والنسف، والانتفاضات، والحروب، واللاقانون، واللاسياسة. كل هذا يفسر، (مع عوامل أخرى) نشوء المجموعات "الأصولية" دينية وغيبية وطائفية، مهددة. (وعلى طريقة الأنظمة السائدة) كل ما تبقى قائماً. هذه "الأصوليات" من العراق إلى اليمن، مصر، وفلسطين ولبنان (حروبه الماضية والراهنة) لا تختلف لا عن "أصوليات" بعض البنى الحاكمة بعد فترة الاستقلال من حيث نزعتها الاستئصالية، والهمجية ولا انغلاقها ولا عنفها ولا "لا عقلانيتها" ولا جنونها (تذكروا كم شهدنا من مجانين وقتلة بين "القادة" العرب على امتداد العقود الماضية)، ولا عزلتها. انها ظاهرة العزلات الاستبدادية ورثتها الأصوليات "الدينية" والمذهبية عن الأصوليات الحزبية والأيديولوجية والفارق ربما في الشعار، وفي المصطلح، وفي القشور.
ولهذا يمكن القول إن الحداثة التي انتجت الظواهر النازية والفاشية والصهيونية في أوروبا، وكذلك اليمين الجديد في أميركا، (ولا ننسى ريغان ولا بوش، ولا اليوم حزب الشاي الأميركي)، انتجت عندنا أصوليات مشابهة ساهم الغرب في انشائها وتمويلها (نتذكر ظاهرة بن لادن ومن استنبتها، والأفغان العرب في الحرب الباردة بين الشرق والغرب، من صنائع الموساد والمخابرات الأميركية بما في ذلك العديد من الحركات والتنظيمات الإيمانية عندنا…) ولا نستبعد أن تكون مساعدة هذه الظواهر الأصولية مستمرة من قبل من أنشأها، بطريقة أو بأخرى، بحيث تحول العالم العربي (وأكاد أقول برمته) عائماً على براكين من المذهبية والطائفية التي بدأنا نشهد تفجراتها منذ الثمانينات وحتى من قبل. وعندما يتحدث بعضهم عن "طائفية" الصراع في لبنان، ينسى ان العالم العربي كله بات موصوماً بهذه الأمراض، من فوق إلى تحت، من دون أن نستثني الكثير من أهل الثقافة و"الفكر" والعلمانية والتغيير، من ماركسيين وقوميين وعروبيين وليبراليين سابقين. فالطاعون يصيب بالعدوى الجميع. (نتذكر مسرحية "وحيد القرن" ليونسكو، وكذلك رواية "الطاعون" لكامو). ومع تفاقم هذه الظواهر السارية. تتمدد جغرافياتها من موقع إلى موقع ولكن بالسمات ذاتها الدينية والخرافية والعنف. نتذكر ما جرى في لبنان على امتداد ما يقارب نصف قرن وما زال، ونتذكر مصطلحات مثل "بلقنة لبنان"، ومن ثم "لبننة هذا الصراع العربي أو غير العربي، أو قبرصته، ومن ثم العرقنة"، من دون أن ننسى اليوم "اليمننة" او "الفلسطنة" (السلطة وحماس في الضفة وغزة) واخشى أن ينتقل المصطلح (هذا إذا لم يتنقل) إلى "البحرنة" (البحرين) او الكوتنة (الكويت) ، أو إلى "المصرنة". وهنا بالذات، يمكن فهم ما يجري في مصر، وقبل ذلك في العراق، (وقبلهما في لبنان)، من تركيز أصولي (يقال القاعدة أو إسرائيل). على المسيحيين، وربما هذه المرة على الوجود المسيحي في الشرق، وغداً من يدري على الوجود "الشيعي" أو بعض الأقليات الأثنية الأخرى من يدري. وما حدث في كنيسة القديسين في الاسكندرية، جزء من هذا المخطط الذي نظنه أكبر من "القاعدة" (إذا صح انها الفاعل)، وأكبر من أي تنظيم معين: خلخلة ما تبقى من الدولة العربية، ومن التاريخ العربي، ومن التنويعات العربية، ومن الهوية العربية، ومن النهضة العربية. انها اللحظة التي تتجمع فيها الغيوم المسمومة فوق العالم العربي كله: القابل للاهتزاز، والحروب الأهلية والانقسامات الطائفية والشروخ العضوية. انه التراكم التاريخي الذي تجمع على امتداد العقود الماضية. ليصل ربما إلى فتيله التفجيري. المسيحيون حلقة في هذه الحلقات. والمسلمون أيضاَ كوجود مميز ونهضوي حلقة من هذه الحلقات وبعض المجموعات الاثنية حلقة أيضاً. والشيعة حلقة من هذه الحلقات. وما يجري في بعض البلدان العربية وغير العربية من صراع شيعي وسني واضح الملامح، لا ينفصل اطلاقاً عما جرى في مصر عندما بدأت طلائع الأصولية في مصر تهدد النظام نفسه والمثقفين والعلمانيين والأجانب وصولاً إلى رؤوس السلطة (اغتيال الرئيس أنور السادات "الرئيس المؤمن" واغتيال الصحافي فرج فودة، ومحاولة اغتيال الروائي الكبير نجيب محفوظ وتهديد المثقفين وتكفيرهم واصدار فتاوى القتل بحقهم)، وما رافق ذلك من تفجيرات وضحايا. هذه مرحلة لا تنفصل عما يجري اليوم في مصر: فإذا كانت الأصولية وضعت بعض المثقفين العلمانيين في أجندتها، وكذلك النظام المصري نفسه، فمن الطبيعي أن تشمل هذه البرمجة اليوم المسيحيين، في ظروف نخشى أن تكون باتت مواتية، في ظل التعبئة الطائفية التحتية، وفي ظل خلل بارز في كيفية التعامل مع "المواطنية" العمومية، وفي ظل دخول عناصر خارجية على الخط: قد تكون إسرائيلية أو أعجمية، أو غربية… أو حتى عربية كما حدث في لبنان: لا تستبعدوا شيئاً! فالساحة العربية كلها باتت مُهيأة للتفجرات العنفية أو السياسية أو الانفصالية (ما نشهده في السودان واليمن لا يحتاج إلى تأويل). فالواقعة وقعت: استمرار في النهج التقسيمي، وفي النهج الاستئصالي، وفي النهج الهمجي. أو لم نشهد في العراق تفجيرات في مساجد شيعية أو سنية قبل التوجه إلى الكنائس المسيحية. بل ألم نشهد أعمال عنف شيعية شيعية وسنية سنية في العراق؟ والأصوليون الذين يفجرون مسجداً على المصلين ألا يفجرون كنيسة، أو حياً، او مركزاً آهلاً (فلنتذكر ما حدث في الجزائر وكمية المذابح التي ارتكبت بين النظام والأصوليين، وبين الأصوليين والأصوليين أنفسهم: إنها ايضاً مؤشرات). وهنا بالذات يمكن تفهم المخاوف التي تعتري مسيحيي مصر والشرق. من أن موسم الهجرات إلى العدم.. قد بدأ، وان دورهم قد أزف. هذه مخاوف مشروعة، (ومتراكمة) لأن المصائر باتت مجهولة. ونظن أن هذه المرحلة التي يتم فيها ترويع المسيحيين لا تنفصل عن المراحل السابقة في ترويع المسلمين أنفسهم. فطبيعة الصراع الديني سواء كان مسيحياً أو إسلامياً واحدة: قائمة على الاقتلاع والقتل والنفي والنرجسية الجماعية والسيطرة. وهنا بالذات يمكن القول إن هذه النرجسيات الجماعية تغذي بعضها عند الجميع. والتطرف يستنبت تطرفاً. والتعصب تعصباً. والجنون جنوناً. أي وضع عناصر المجتمع في مواجهة بعضها: يا قاتل يا مقتول. (أو ليس هذا ما حدث في لبنان عندما وُضعت المجموعات المذهبية والطائفية في مواجهة بعضها: "يا قاتل يا مقتول" وكانت مذابح ومجازر وخطف وقتل وتهجير وتدمير مدن). أي استخدام لغة واحدة مشتركة هي إعدام الآخر. وفصله وعزله وتشييئه: الطائفية والأصولية والمذهبية تُشيِّئ نفسها وتشيئ الآخر والأرض، والرموز، والنفوس، والأفكار. وهذا التشيؤ هو المخيف فعلاً: من "فجَّر كنيسة" القديسين في الاسكندرية كائن اصابه التشيؤ في صميمه. (أصابه العدم) وكان من الطبيعي ان يرى إلى المسيحيين الذين يصلون في الكنيسة مجرد أشياء. أشياء. لا قيمة لها أشياء ميتة. وهذا شأن الأصوليات كلها، والأيديولوجية العلمانية او الدينية: انها تُعدم "الكائن" وتمحوه وتحوله مجرد "خردة" في لعبتها. فالأصولي هو مجرد "خردة" يرى العالم كله خردة! هو "كائن" ميت من الداخل يحول كل شيء إلى موات. هذا ما شهدناه في لبنان، وفي العراق، وفي اليمن، وفي السودان.. واليوم في مصر. وكما شَيًّأت الأنظمة الدكتاتورية "شعبها"، وسلعته واعدمت فيه روح المقاومة والاحتجاج وحتى الذاكرة.. عمدت الأصوليات الطالعة من الأنظمة إلى مثل هذه الممارسات.
وعندما نتابع على الشاشات والفضائيات ووسائل الاعلام ردود فعل بعض الأقباط، فاننا نتفهم "فجيعتهم" الكبرى، ومخاوفهم من أن تكون هذه بداية، او حلقة من حلقات الاضطهاد ولتهجيرهم من وطنهم الأم مصر. ونتفهم أن ردود الفعل لا تقتصر فقط على المذبحة، بل على ما تراكم في نفوسهم من مشاعر. لكن ما نظنه أيضاً ان الاسترسال في مثل ردود الفعل هذه وتحويل المعركة بين أقباط مصر ومسلميها لا يخدم قضيتهم، ولا يؤمن حمايتهم، ولا يحصّن مواقعهم. بل على العكس: فالذين فجروا الكنيسة يسعون إلى مثل هذه الأحداث: جرّ الجميع إلى فتنة تقوم بداية لتقويض كل شيء، وتحقيق أهداف "اعداء مصر" والأقباط والمسلمين على سواء. بمعنى آخر، وكما سبق أن قلنا: المسألة مرتبطة أولاً وأخيراً بالنظام. وبالسلطة. وبالدولة. سواء من حيث القوانين الجارية، او الدساتير، أو من حيث حماية الشعب كله. من دون تمييز. فالاعتداء المدان لم يكن موجهاً فقط إلى "الأقباط" بل إلى المسلمين أيضاًَ، وكذلك إلى الدولة المصرية نفسها، والنظام ووحدة البلاد وسلمها الأهلي. والذين فجروا الكنيسة كانوا يهدفون إلى تفجير الوضع برمته، خدمة للخارج اولاً وأخيراً، وإحداث فوضى عارمة من شأنها توجيه رسائل إلى أهل السياسة أنفسهم. فمصر هي المستهدفة كلها من التفجير البربري كما كانت مصر مستهدفة كلها من خلال محاولة اغتيال نجيب محفوظ. على هذا الأساس، لا بد للاقباط ومهما عانوا من هذه المجزرة أن يطالبوا الدولة نفسها بمعاقبة القتلة، ومن وراءهم. فهي المنوطة وحدها بمعالجة هذا الحدث الجلل، فاستمرار اللجوء إلى الشارع، والصدام مع الناس ومع الدولة، كأنما يكون شهادة تبرئة للمجرمين، وكأن المعركة بدلاً من أن تكون بينهم وبين "شُذاد" الأصوليات الكافرة، ستكون مع الذين تضامنوا معهم من مسلمين في مصر، وكأن ما جرى، وعلى عكس ما تمنى وحوش التفجير، بدا وكأنه استفتاء على وحدة الشعب المصري، ليبدو هؤلاء اللصوص والعملاء، منعزلين وغرباء، ومنفصلين عن الهوية المصرية الجامعة: نقول هذا ولا نعفي النظام من مسؤولية ايجاد حلول للقضايا المجمدة والعائلة بين مجموع الناس، ومنهم الأقباط. وهذه هي الطريقة المثلى لتفويت الفرص على المتآمرين على وحدة الشعب المصري عبر استفراد مكوناته وشرائحه.