قاعدة التسوية الحقيقية: عودة “8 اذار” الى منطق الدولة

بغض النظر عن مساعي الـ"س – س" والتسويات التي تطبخ من هنا وهناك – واذا اردنا بعصر فكري سريع ومختصر اختزال لب المشكلة بين اللبنانيين اليوم – يمكننا القول ان الحل الصلب والدائم والذي من شأنه ارساء قوعد حل نهائي للاشكالات العالقة اليوم يتجاوز مجرد تسويات لا نرتاح الى ديمومتها كما علمنا تاريخ لبنان الحديث في كافة مراحله يكمن في عودة قوى "8 اذار" وفي طليعتها "حزب الله" الى منطق الدولة الامر الذي يفترض تحقيقهم الشروط والمتطلبات الاتية:

اولا: الايمان بانهم جزء من لبنان قبل ان يكونوا اي شيء آخر، ولبنان بالتالي ولي امرهم وعهدهم والمرجع السوسيولوجي والسياسي والوطني الاول والمرجعية التاريخية لنموهم ووجودهم وتطورهم واستمرارهم. فلبنان يجب ان يكون بالنسبة اليهم الحاضن والمبتغى والحامي والمدافع عن وجودهم وحقوقهم في المواطنة والعيش اسيادا ومستقلين في هوية سياسية وجغرافية متميزة بنفسها عن الاخرين.

ثانيا: الايمان بأن الدولة هي حصيلة جهود ابنائها، فلا يظن احد أن بناء الدولة حكر على فريق دون الاخر ولا يظن احد أن الدولة تقوم بقسم من ابنائها. كما ولا يظن احد انه قادر على التخلي عن الدولة وعن السير في كيانات اخرى، ولا انه قادر على الاستغناء عن ضرورات والحاجات الى دولة. فالدولة لا تبنى باتهامها بالتقصير فيما ابناؤها يتفرجون عليها وهي تقصر ولا يحركون ساكنا لتجنيبها التقصير والعسر والتعسر. والدولة لا تبنى الا من اجل كل الشعب وكل اللبنانيين من دون تمييز وتفريق والغاء بين فريق واخر ولفريق لحساب اخر. فحصيلة سواعد وايمان وتصميم وادراك اللبنانيين جميعهم تبني الدولة القوية القادرة والواعدة والعصرية، ولا شيء اخر. ما يتطلب توافر النية الصافية والحقيقية لدى الفرقاء اللبنانيين للانتقال بالدولة من وضع الضغف والتقصير الى وضع القوة والانطلاق. وهذا ما ينقص بالتحديد قوى "8 اذار" و"حزب الله" تحديدا الذي اصدر حكما مبرما بعدم قدرة الدولة اللبنانية بعد اليوم على حماية ابنائه وبالتالي ذهب بعيدا والى خارج الحدود للبحث عن بدائل اسقطت ما تبقى من قوة وقدرة لدولة جامعة وموحدة يبنيها ابناؤها كي ترعاهم في ما بعد.

ثالثا: الايمان بأن لبنان وان كان جزءا من العالم العربي والعالم الاسلامي والعالم الاوسع وعليه التزامات وموجبات في نصرة القضايا العادلة والمشاكل القومية، الا ان لبنان بالنهاية اسوة بكافة دول العالم بما فيها دول المواجهة والطوق والتصدي هي دول ذات حكومات وشعوب وقوانين وانظمة يحترمها كل مواطن وكل ابناء الدولة والوطن المعني. فايران لم تتنازل مثلا عن سيادتها وحريتها واستقلالها وهي اليوم في عز المواجهة الدولية مع المجتمع العالمي بموضوع ملفها النووي لانها تواجه العالم وتريد تقوية صفوفها وقدرتها للمواجهة – بالعكس كل شيء يعمل في الجمهورية الاسلامية ولا سيما المواجهة التي تخاض مع الغرب انطلاقا من نظم وقواعد ومؤسسات ودستور دولة ومقدرات بلد وشعب وامة منظمة ومنتظمة في دولة قانون وتشريعات ومجالس ورئاسات وولاية فقيه. وسوريا التي تخوض مواجهتها على طريقتها والتي تواجه وتفاوض اسرائيل بين الفينة والفينة والتي تحمل لواء التصلب بين العرب ضد اسرائيل والتي تؤمن بالتفاوض لا بالمؤتمرات لتحرير الاراضي العربية المحتلة واحقاق مبدأ الارض مقابل السلام، لم تتنازل في الوقت نفسه عن سيادتها ولم يستبيح شعبها بحجة المواجهة قوانين وانظمة الدولة والحكم ومؤسسات الدولة. بل، ان كل شيء يتم عبر المؤسسات الرسمية والدستورية والدولة السورية منتظمة شعبا ودولة في حراك سوسيولوجي بعيدا عن الفوضى والتمايز عن الدولة. حتى ان "حماس" انتقلت من فصيل فلسطيني في مواجهة اسرائيل الغاصبة والمحتلة الى حكومة شعرت بحاجة الى وجودها واستمرارها كي تكون المواجهة افضل وانجح مما كانت عليه سابقا.

فلا نرى، والحالة هذه، لماذا يخرق "حزب الله" ومعه حلفاؤه هذه القاعدة الطبيعية للدول والشعوب وينحرفون عن الدولة ومنطق المؤسسات والقانون والدستور في سبيل الانفصال والابتعاد عن الدولة وانكارها والتخلي عنها في مواجهتهم اسرائيل واصطفافهم الى جانب دول المواجهة الاقليمية؟

فهل بالفوضى ورجم الدولة واعدامها وشل مؤسساتها وقوانينها ونظمها ينتصر "حزب الله" على العدو التاريخي ام ان بدولة لبنانية قوية وقادرة ومدعومة بوحدة ابنائها يستطيع "الحزب" وكل اللبنانيين الزود عن سيادة واستقلال البلد وفي الوقت عينه الالتزام بالقضايا المصيرية في المنطقة والمحيط؟

ان المنحى الذي يعتمده "حزب الله" وحلفاؤه هو في المفاضلة بين سلاحه وبين الدولة بدل ان تكون مفاضلته بين الدولة القوية لمواجهة العدو او الدويلات المشتتة والمتأمرة على بعضها الضعيفة في وجه العدو.

رابعا: ان الدولة يجب ان تكون صاحبة المبادرة والتي ترسم الاسس والسياسات لتأدية دورها في الالتزام بالقضايا العربية والاسلامية والاقليمية والدولية. فالدولة تقرر باسم جميع اللبنانيين وتخوض ادوارها باسم جميع اللبنانيين وتقاوم باسم جميع اللبنانيين الواقفين وراءها جيشا شعبيا مرصوصا عند اللزوم لحماية الوطن والزود عن استقلاله خلف جيشه وقواه الشرعية الذاتية المؤتمنين حصريا على حماية الدولة وتحريرها والدفاع عنها.

ما من احد ينكر بأن الدولة اللبنانية لا تتمتع حاليا بكامل القوة التي تؤهلها للاطلاع بهذه الادوار، ولكن في الوقت عينه نسأل "حزب الله" وقوى "8 اذار" ماذا يفعلون لتقوية الدولة ولمشاركتهم قوى "14 اذار" في تشابك السواعد والطاقات والامكانات لبناء الدولة القوية القادرة التي تصل عندها الى مكان تستطيع فيه اتخاذ المبادرات والمواجهة باسم جميع اللبنانيين؟

لا يستطيع المسيحي وحده ان يبني الدولة القوية ولا السني وحده ان يبني الدولة القوية ولا الشيعي وحده ولا الدرزي ولا اي فريق لبناني وحده، ولكن عندما يتوحد اللبنانيون وتصفى النوايا الحقيقية وتكون الارادة الحقيقية منصرفة الى بناء حقيقي لصرح الدولة وقدراتها وامكاناتها، عندها يستطيع اللبنانيون ان يثقوا بـ"حزب الله" ان وقف كمقاومة موقتة مسلحة على ارض المنازلة لا في شوارع بيروت ولبنان الداخلية ريثما تستطيع الدولة تولي المهام حصريا ولوحدها وبقواها الشرعية الذاتية القادرة – علما ان الجيش اللبناني اليوم والقوى الشرعية الامنية الاخرى اثبتت وتثبت كل يوم انه وعلى الرغم من ضعف الامكانات وعدم كفايتها انها تسجل وسجلت بطولات ليس اخرها انهاء الحالة الارهابية في نهر البارد ومواجهة العدو الاسرائيلي في العديسة وسواها. فالدولة موجودة حاليا في حدها الادنى كما يقول الدكتور سمير جعجع. فليأتي "حزب الله" وحلفائه لنستكمل ونسرع عملية بناء الدولة القوية الراعية لنا جميعا والتي لديها وحدها وبالاولوية واجب وقدرة حمايتنا والزود عن استقلالنا وسيادتنا في وجه الاخطار والتهديدات الاسرائيلية.

خامسا: عليهم في "8 اذار" ان يقتنعوا بأن المؤسسات الدستورية هي المكان الطبيعي لتظهير الصراعات السياسية والحراك الوطني. فالانسان في المفهوم السوسيولوجي كائن اجتماعي وكونه كائن اجتماعي عليه ان ينتظم عمله وتنتظم انفعالاته في قوالب واماكن واطر مؤسساتية – بخاصة على الصعيد السياسي والتعاطي في الشأن العام. فمؤسسات الدولة هي المنبر للتصارع والتصادم الديمقراطي وحفظ التوازنات الوطنية انطلاقا من تساوي قوة التأثير بين اللبنانيين التي تكرسها المؤسسات ومنطق عملها للجميع من دون تمييز وتمايز، لان اي خلل في هذه المساواة في قدرة التأثير تؤدي الى خلل في التوازنات. والخلل في التوازنات يؤدي الى شعور بالاحباط او بالخوف لدى الفريق غير المتساوي مع الاخرين في قدرات التأثير وفي الحالتين نأسس لمرحلة جديدة من الاضطرابات والحروب ويعود الوطن الى دوامة الانقسامات والتصارع المفتوح بين اللبنانيين لنعود من ثم الى تسويات هشة تأسسس لمراحل جديدة وجولات جديدة من القلاقل والاضطرابات المستقبلية. وهكذا دواليك – وبالتالي على "حزب الله" وحلفائه ان ينضوي تحت لواء المؤسسات ولعبة المؤسسات الدستورية في البلاد ويتخلوا نهائيا عن العراك مع خصومهم في الشارع وبوسائل غير شرعية وغير مشروعة وخطيرة على الكيان والوحدة الوطنية والانصهار بين اللبنانيين والثقة بينهم.

فمتى يقتنع الحزب وحلفاؤه باهمية الدولة واهمية العودة اليها ومنها متابعة نضالهم … ان كانوا فعلا يعتبرون سلاحهم من اجل الدولة والشعب والمؤسسات؟ الامر الذي وبصراحة لم نعد نثق بأن يكون كذلك بعد كل ما رأيناه ونراه من حزب مقاوم لاسرائيل تحول الى حزب مقاوم لمشروع الدولة وحكم المؤسسات والقانون. الحزب مدعو الى مائدته… حتى اشعار اخر…

 

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل