بعد تعزيته ميشال عون بوفاة شقيقه الراحل «أبو نعيم»، كتب سمير جعجع في سجل المناسبة الحزينة، ما حرفيته: «مهما كانت الخلافات كبيرة، فالله والموت يزيلانها».
الخلافات التي لمّح إليها جعجع لا يجهلها إنسان. أولها مجهول، عمره ربما من عمر تعاطيهما الشأن العام، وآخرها نموذج واضح في رد جعجع على كلام عون، قبل ثلاثة أيام فقط، حيث تعابير من نوع: «جرياً على عادته في إطلاق المواقف الدخانية الغوغائية الفارغة، وفي تناقض فاضح ومريب مع كل الشعارات «المسيحية» الفضفاضة التي دأب على «التطبيل والتزمير» لها منذ سنوات»، و«من يُسمّي نفسه «زعيم» المسيحيين المشرقيين»، و«الشعارات التي يُطلقها ليست سوى للاستهلاك الانتخابي الرخيص»، و«التنقل (…) لهدف واحد لا غير وهو الوصول الى رئاسة الجمهورية»… وصولاً الى اتهامات من جعجع لعون، بتبعية قديمة مزعومة لحافظ الأسد، واتصالات بإسرائيل… في سياق يقدم جعجع وفريقه، في موقع «الضامن المرجعي، للمصلحة المسيحية».
لم تكن زيارة التعزية فرصة مناسبة لاستيضاح جعجع حول مضمون ردّه. غير أن ما تركه في السجل، يفتح سجلاً آخر من الأسئلة الصادقة والحريصة. لا ضرورة طبعاً للعودة بسلسلتها، إلى مرحلة ما قبل جلاء الجيش السوري، وقد قيل فيها الكثير، ومتروك عنها أكثر بكثير أيضاً، لكن لزمن تهدأ فيه النفوس وتبرد الرؤوس. لكنّ الأسئلة الممكن توجيهها إلى «منطق جعجع المسيحي»، عن حقبة ما بعد زوال الوصاية، تبدو ضرورة واجبة:
هل كان السكوت مثلاً، عن بقاء قانون غازي كنعان في 14 أيّار 2005، «لمصلحة المسيحيين»؟ وهل كان قيام الحلف الرّباعي، الّذي جعل 40 نائباً مسيحيّاً ينتخبون بأصوات غير المسيحيين، لمصلحتهم؟ وهل خوض معركة بعبدا ـــــ عاليه سنة 2005، تحت شعار الدّفاع عن سلاح المقاومة وحفظه واستمراره ـــــ كما أكد بيان «الرفيق القواتي» الرّاحل إدمون نعيم ـــــ ضد أكثرية ساحقة من المسيحيين، كان انسجاماً مع مواقف اليوم؟ وهل إعطاء الثقة لحكومة السنيورة بعدها، ببيان تأسيسي يدعم المقاومة وسلاحها، ويطلب إلغاء الطائفية السياسيّة، كان بدافع «الهم المسيحي»؟ وهل الموافقة على حكومة، خمسة من وزرائها المسيحيين سمّاهم غير المسيحيين، و4 سمّاهم إميل لحود، وثلاثة فقط مثّلوا كل فريق جعجع، كانت «لمصلحة المسيحيين ولاستكمال التحرير والسيادة»؟
إزاء تلك المواقف، لم يقل عون يومها إنّ جعجع تحوّل «رأس حربة وأداة أساسية في ضرب الوجود المسيحي»، ولم يتّهمه بأنه يحالف «فريقاً لبنانياً يقيم علاقات ويتبنى خيارات إقليميّة تناقض المسار الاستقلالي»، حتى أنه بعد ذلك كلّه، التقى عون بجعجع في تشرين الثاني 2005 في الرابية. يومها قال له: «لا ينبغي أن ننسى الماضي كي لا نكرّره، ولا ينبغي التوقّف عنده كي لا نصير عاجزين عن صنع المستقبل». وقال له أيضاً «إننا قد نتفاهم في السياسة، وهذا جيّد، وقد نختلف، وهذا مكروه، لكن الاحتمالين يجب أن يظلّا ضمن الأطر الديموقراطية». كان ذلك قبل التفاهم مع حزب الله بثلاثة أشهر. بعدها كانت وثيقة 6 شباط 2006. وهي تنصّ على أكثر بكثير ممّا تضمّنه بيان حكومة السنيورة وفريق جعجع، في موضوع سوريا والسيادة، وأقل بكثير مما تضمّنه البيان نفسه وبيان انتخابات جعجع في بعبدا ـــــ عاليه، في موضوع سلاح حزب الله. قالت وثيقة التفاهم بترسيم حدود كاملة، وبعلاقات دبلوماسية، وبعودة معتقلين، وبإعادة مبعدين من إسرائيل، وباقتراع اللبنانيين في الخارج… وتطلعت إلى جعل السلاح للأهداف اللبنانية وحدها، وعند حدود لبنان الكيانية والميثاقية.
فيما كان الفريق السياسي الّذي ضمّ قيادة جعجع يدفع ثمن رهانه على تغيير النظام في سوريا، ويحمّل بذلك لبنان و«المسيحيين» و«منجزات انتفاضة الاستقلال» ثمن حساباته الخاطئة، والمستندة أصلاً إلى حسابات سلطوية لبعضه، لا غير، اختار عون، على ما يبدو، في مواجهة ما رآه أخطاراً محتملة لهذا السلوك، أن يتموضع في موقع الحريص على التحسّب لويلات التطورات الدولية المقبلة. كيف جاء رد جعجع على سياسات عون؟ وهل التزم أبسط الأصول الأخلاقيّة والواقعيّة والسياسيّة و«المسيحيّة» والوطنية؟
في مناسبة العزاء، قد يكون ضرورياً إعلان الإيمان بأنّ الحقيقة مشروع يحققه الناس معاً، كلّ من موقعه ومنطلقه، شرط أن تظل الثقافة الديموقراطية هي إطار التعاطي بينهم. بلا عنف ولا حقد ولا إلغاءات ولا باطنيات. إلا إذا كان الرهان لإزالة الخلافات، على الموت… فعلاً.