#dfp #adsense

“تغيّر الزمن كثيرا. لكن رفيقا هناك لم يتغيّر، وأرز طبريّة لم يفعل ولن”!

حجم الخط

كان لافتا مقال جان عزيز في جريدة "الأخبار" الصادرة صباح السبت 8 كانون الثاني 2011 تحت عنوان: "عن عون وجعجع و«الخلافات» و«الموت»…" (لقراءة المقال اضغط هنا)، ولعل أشدّ ما يلفت الانتباه فيه اعتماده السياسة العونية بامتياز لناحية العبث بالوقائع لتشويه الحقائق وإجراء قراءة مزوّرة للتاريخ، ظنا منه أنه يكتسب بما يكتب المزيد من "ملح" ولي نعمته الذي أنعم عليه بالأموال والسفر على متن الدرجة الأولى والبحبوحة المالية، هذا "الملح" الذي كان "يشحده" أيام كان منظرا في صفوف "القوات اللبنانية" ليس أكثر، لأنه كما ظهر لم يرتق يوما الى صفوف المناضلين.

وللإضاءة أكثر على طبيعة عمل جان عزيز الذي يستحق صفة "شاعر البلاط" باستحقاق وجدارة كبيرين، لا بدّ من التذكير ببعض كتاباته المؤرخة والمؤرشفة.

في مقاله الشهير بعنوان: "وفاء للشهادة والحق… لا للعفو نعم للحقيقة" بتاريخ 14 تموز 2005 يتهم جان عزيز اللواء جميل السيّد (أحد أولياء نعمته اليوم). يقول: "… وبات معلوما أيضا كيف قال جميل السيد لسمير جعجع "هدّي ع إجريك إذا بتقدر…"، وكيف تنبّأ بالرؤيوية السابقة نفسها، وفي اتصال هاتفي مع نائب سابق، بكنيسة ثانية وثالثة…". في المقال نفسه يقول أيضا عزيز: "الحقيقة في جريمة تفجير كنيسة سيدة النجاة تكاد تكون معروفة من الجميع. فالمعروف كيف أخفوا التحقيقات مع كل من مكرم مرسي وجولان يوسف ضيا. والمعروف أيضا كيف رعت جهات أصولية حليفة لسلطة النظام، عمل المتهم من بينهما. والمعروف كذلك كيف سربت المعلومات عن مخطط التفجير وسميت كنيسة الزوق نفسها، وكيف أخفي المتهم طويلا وأعيد شاهدا. من جهة أخرى، بات معروفا أيضا كيف خططوا منذ عام 1991 للربط بين جرجس توفيق الخوري و"القوات اللبنانية"، عبر ضابط هناك في ضبيه ودير شويا وجماعة "رسل الإنجيل" وقاضيين، واحد آت من الوضع في التصرّف وملفات التفتيش القضائي، وآخر ذاهب الى تسوية استملاكات عقارية بمليارات".

ويضيف: "وبات معلوما كيف استدرج الأباتي أنطوان صفير ليزج في إفادته أسماء تستكمل الحلقة الجهنمية، وكيف طوّقت غدراس برؤيوية فائقة قبل تسليم جرجس نفسه، وكيف استشهد فوزي الراسي بتوقف قلب، يوم كان توقف الضمير سمة عامة لطبقة سياسية كاملة"…

لكم تغيّرت الأيام لدى "شاعر البلاط"، لاحس الملح، جان عزيز ليصبح جميل السيد أحد أولياء نعمته فينقل إطلالاته الإعلامية مباشرة على هواء التلفزيون الذي يديره ويعيد كل إطلالة مرات ومرات!!!

في 22 نيسان 2004، وفي الذكرى السنوية العاشرة لاعتقال الدكتور سمير جعجع، كتب عزيز بعنوان "في صباح عقد كامل… الى رفيقي". ومما جاء في هذا المقال:

"لو أن بينهم رجلا واحدا يا رفيقي، لخبت نارك فينا. لو أن في سلطتهم نزر كرامة، لأشرق قبس من غير زنزانتك. لو أن في فراغهم سراب وطن، أو في جلودهم مسام حرية، أو في عيونهم الفاغرة وأفواههم المحشوة بالتلقينات، وتواصفهم الممسوخ بعربدة الغرباء… لو أن فيها مسحة من خفر المجد في عينيك، لفكرنا…
لا يا رفيقي، لم تمسّنا بعدك مازوشية المهزوم، غير أن ساديّة صغائرهم أصغر من أن تشفينا منك، ولو بعد عقود.

لا أدري كيف توقف الزمان في غيابك. صرنا نحترف تعداد يومنا وملء الفراغات سدى. أنت كنت تتقن فتح أسفار الغد، لتشرّعه على أفق جديد. لا أدري كيف كنت تجترح لعتمتنا قمرا يحرس زنابق الراحلين، وتشدّ صوتك وترا لأجراس الأعراس البيض.

أعترف لك أنني أحيانا أضعف، أو أقوى ربما… فلا أعود أريدك البطل، ولا المظلوم المكرّس بعذابات الناس، ولا الشهيد الحي ولا المتطهّر بألم فدائنا أحيانا، كأنها كل حين. أشتاق إليك رفيقا فحسب، أحن الى مصافحة تلك اليد الجريحة، تعصر بين إبهامها والسبابة المتجمدتين تاريخ أهلي، تشدّه، الى فوق، صوب ضوء لا يتقادم"…

أما في 23 أيلول 2004 فكتب عزيز بعنوان "مع كامل اعتذاري": "الى الآلاف من رفاقي، نسّاك أقبية المعتقلات في الأعوام الأربعة عشر الماضية، الى روح فوزي الراسي ورمزي عيراني وبيار بولس، الى كل من رفع صوتا مع التيار السيادي في تلك الفترة الطويلة، حسبكم فخرا وشرفا أنه حين يكتب تاريخ هذا الوطن، وحيت يروى كيف استدار النظام نحو شركائكم في الكيان، سيذكر التاريخ أنكم كنتم معهم، فلم يكونوا لوحدهم. وحده رفيقي كان وحيدا… ولا يزال. كفاه الحق ليضحّي معه الأكثرية. وتقبلوه مع كامل اعتذاري".

في المقال نفسه الذي يتوجه في الى النائب وليد جنبلاط في لقاء البريستول الشهير يقول: "في البريستول، وددت أن أقول له (لوليد جنبلاط) ولرفاقه، أهلا وسهلا في زنزانة رفيقي. تلك الأمتار الصغيرة التي صارت طوال عشرة أعوام، المرادف الوحيد لذلك "السجن الكبير" الذي تحدث عنه كمال جنبلاط، والذي استشهد رفضا لدخوله. أردت أن أقول له، إننا لم نكن طبعا رؤيويين، ولا قطعا معصومين بل أخطأنا وأخطأنا كثيرا، ودفعنا الثمن، ودفعنا أكثر. لكننا تعلمنا أن الحرية تجمعنا، وأن وفاقنا المتوازن شرط حريتنا، وأن لا وجود للاثنين بلا سيادة".

هذا هو شاعر البلاط جان عزيز.
ولعل خطيئة سمير جعجع الكبيرة أنه لم يتنبّه الى أن ثمة من كان حوله لم يكن أكثر من ماسح جوخ وشاعر بلاط رخيص. ليس في الأمر إهانة لأن جان عزيز أنزل نفسه الى مرتبة أدنى من شاعر البلاط، الى مرتبة لاحس ملح من على موائد أقيمت منتشية من دماء شهدائنا وعذابات رفاقنا في أقبية التعذيب التي تحدث عنها عزيز.

من يكترث لما يكتبه اليوم لاحس الملح هذا مقابل فتات تذاكر سفر وثلاثين من الفضة؟!
ولكن من حق الرأي العام أن نجيب على بعض الأسئلة المشبوهة التي طرحها عزيز لئلا يظن أحد أننا لا نملك الأجوبة.
يسأل: هل كان السكوت مثلاً، عن بقاء قانون غازي كنعان في 14 أيّار 2005، «لمصلحة المسيحيين»؟ وهل كان قيام الحلف الرّباعي، الّذي جعل 40 نائباً مسيحيّاً ينتخبون بأصوات غير المسيحيين، لمصلحتهم؟

ونجيب: الأولوية في ربيع الـ2005 كانت لإجراء الانتخابات النيابية للإطاحة بالأكثرية الموالية لسوريا في مجلس النواب. وبين خيارين لا ثالث لهما: خيار الإطاحة بالانتخابات الى أجل غير مسمّى تحت شعار البحث عن قانون انتخابي أفضل تحكمه وتقرّه أكثرية نيابية موالية لسوريا، وبين إجراء انتخابات نيابية بالقانون الموجود من أجل رفع الهيمنة السورية، كان الخيار الثاني أفضل بما لا مجال لمقارنته. والدليل الأبرز هو نتائج الانتخابات التي أسفرت عن أكثرية لمصلحة قوى "14 آذار"، كان يمكن أن تكون أكثرية تاريخية وموصوفة تصل الى الغالبية لو لم تكن عودة العماد ميشال عون مدبّرة باتفاق مع السوريين وأداتهم في لبنان الرئيس السابق إميل لحود. فالأصوات التي نالها ميشال عون وكتلته كانت من دون شك أصوات 14 آذارية جيّشها عون غرائزيا في إطار تحريض طائفي غير مسبوق، ليتبيّن لاحقا أن عون يمارس عكس ما رفع من شعارات، وليظهر كيف انقلب على مضمون برنامجه الانتخابي المعلن في الكتاب البرتقالي "الطريق الآخر".

ويسأل عزيز: "وهل خوض معركة بعبدا ـــــ عاليه سنة 2005، تحت شعار الدّفاع عن سلاح المقاومة وحفظه واستمراره ـــــ كما أكد بيان «الرفيق القواتي» الرّاحل إدمون نعيم ـــــ ضد أكثرية ساحقة من المسيحيين، كان انسجاماً مع مواقف اليوم؟ وهل إعطاء الثقة لحكومة السنيورة بعدها، ببيان تأسيسي يدعم المقاومة وسلاحها، ويطلب إلغاء الطائفية السياسيّة، كان بدافع «الهم المسيحي»؟ وهل الموافقة على حكومة، خمسة من وزرائها المسيحيين سمّاهم غير المسيحيين، و4 سمّاهم إميل لحود، وثلاثة فقط مثّلوا كل فريق جعجع، كانت «لمصلحة المسيحيين ولاستكمال التحرير والسيادة»؟"

ويضيف عزيز ان عون التقى بجعجع في الرابيه (والأفضل كان لو ذكر أن جعجع هو الذي زار عون في الرابيه وليس أن عون التقى جعجع!) "وكان ذلك قبل التفاهم مع "حزب الله" بثلاثة أشهر. بعدها كانت وثيقة 6 شباط 2006. وهي تنصّ على أكثر بكثير ممّا تضمّنه بيان حكومة السنيورة وفريق جعجع، في موضوع سوريا والسيادة، وأقل بكثير مما تضمّنه البيان نفسه وبيان انتخابات جعجع في بعبدا ـــــ عاليه، في موضوع سلاح "حزب الله". قالت وثيقة التفاهم بترسيم حدود كاملة، وبعلاقات دبلوماسية، وبعودة معتقلين، وبإعادة مبعدين من إسرائيل، وباقتراع اللبنانيين في الخارج… وتطلعت إلى جعل السلاح للأهداف اللبنانية وحدها، وعند حدود لبنان الكيانية والميثاقية.

ولعل من يحتاج الى أسئلة في هذا السياق هو ميشال عون نفسه حول التناقضات الخيالية ما بين ما تضمنه برنامجه الانتخابي لعام 2005 والذي على أساسه "سرق" أصوات المسيحيين على غفلة تحت شعارات كاذبة عاد وانقلب عليها.

أما "القوات اللبنانية" فلم تتغيّر ولم تتبدّل، وهذا هو سبب هجوم سوريا وحلفائها الدائم عليها. أما انتخابات الـ2005 فحكمها واقع استمرار اعتقال الدكتور سمير جعجع إضافة الى محاولة أطراف "14 آذار" استمالة "حزب الله" ومحاولة لبننته بعد خروج السوري، وكل هذه المحاولات أثبتت لاحقا فشلها.

أما اتهام الفريق السياسي الّذي ضمّ قيادة جعجع بأنه "كان يدفع ثمن رهانه على تغيير النظام في سوريا، ويحمّل بذلك لبنان و"المسيحيين" و"منجزات انتفاضة الاستقلال" ثمن حساباته الخاطئة، والمستندة أصلاً إلى حسابات سلطوية لبعضه، لا غير، اختار عون، على ما يبدو، في مواجهة ما رآه أخطاراً محتملة لهذا السلوك، أن يتموضع في موقع الحريص على التحسّب لويلات التطورات الدولية المقبلة. كيف جاء رد جعجع على سياسات عون؟ وهل التزم أبسط الأصول الأخلاقيّة والواقعيّة والسياسيّة و"المسيحيّة" والوطنية؟" فهو اتهام مردود لأن من كان يراهن على تغيير النظام في سوريا هو حليف ميشال عون اليوم وحليف سوريا أيضا، لأن "القوات" لم تراهن يوما على تغيير النظام في سوريا.

لكن نسي عزيز أن ثمة من كان يحاول تغيير النظام في لبنان عبر الرهان على السلاح الإيراني غير الشرعي في لبنان المتمثل في سلاح "حزب الله"، سواء في دعواته المتكررة لـ"حزب الله" لاقتحام المناطق المسيحية من خلال ما نشرته جريدة "السفير" عن سيناريوهات نقلها عون الى السيد حسن نصرالله، على سبيل المثال.

وثمة من راهن أيضا على انقلاب أول في 23 كانون الثاني 2007 وفشل فشلا ذريعا. وراهن على انقلاب ثان في 7 أيار وظهر على الإعلام يطمئن اللبنانيين بأن "كل شيء انتهى…". أين الأسس الأخلاقية في ذلك؟ وأين الأخلاق في نبش قبور مزيفة في حالات وفي تزوير صورة لمقاتل من "حزب الله" ووشم صليب مشطوب على زنده وتركيب الصورة لاتهام "القوات"؟ وأين الأخلاق في عمليات توزيع السلاح المستمرة والتي يتولاها صهر عون العزيز واتهام الآخرين بالتسلح؟ أين الأخلاق في طلب توجيه سؤال لقيادة الجيش حول ماذا كانت تفعل الطوافة العسكرية في سجد ومن أرسل النقيب الشهيد سامر حنا الى هناك عوض سؤال القتلة عن أسباب ارتكاب الجريمة!

هذه كانت الرهانات التي ستطيح باللبنانيين ونظامهم الديمقراطي وتدخلهم في أنظمة تيوقراطية شمولية يصبح فيها "عيسى" مساعدا للمهدي المنتظر في صولاته وجولاته!

أما ختام عزيز بالقول: "إلا إذا كان الرهان لإزالة الخلافات، على الموت… فعلاً." فلا بد من أن نحيله على تاريخ الصراع بين عون و"القوات" ومن الذي حاول أكثر من مرة ممارسة منطق التصفية الجسدية بحق الآخر… إسأل الشهيد سمير وديع يا جان عزيز… هل تذكره؟!

وبعد،

في 3 تشرين الثاني 2004 كتب جان عزيز تحت عنوان "دعوة الى زمن آخر": "تغيّر الزمن كثيرا. لكن رفيقا هناك لم يتغيّر، وأرز طبريّة لم يفعل ولن".
نعم سمير جعجع لم ولن يتغيّر ولو تغيّر الأرز بذاته.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل