#adsense

الوهم العابر

حجم الخط

ثمانمئة بند أو أكثر بقليل يتضمنها جدول أعمال مجلس الوزراء اللبناني حتى الآن، وقد تصير ثمانية آلاف قبل انعقاد جلسة له، إذا وافق السادة في فريق الممانعة على كسر قيده المسمى "الشهود الزور".

ولا ضرورة للبحث في الاحتمال الآخر، طالما ان نتيجته معروفة.. وهو احتمال أن تفرط الحكومة من أساسها إذا بقي الحال على ما هو عليه، فيتحول التعطيل في مجلس الوزراء الى "بطالة نظام" تُسمى في الدارج الكارج أزمة. وهذه مرادفة ليوميات اللبنانيين على كل المستويات منذ أكثر من ثلاثة عقود، بل منذ الأزل ولم تزل وستبقى طالما ان بلدنا "منذور" لمهمات عظام، عجزت عن جزء منها دول أكبر وأغنى وأقوى.. وممانعة أكثر منا بأضعاف مضاعفة!

غريبة قصتنا، وتشبه روايات الخيال الضعيف. حيث يتوالى تكرار سوالف وخبريات وحوادث كبرى فوق مساحة صغرى. وحيث يبدو الهريان ملازماً لواقع المؤسسات الرسمية فيما هذه تبدو عنيدة في بقائها وسيرها ولا تسقط إلا لتنهض من جديد… وحيث يبدو "النظام" في الإجمال أقوى من أزماته، وأبقى من محاولات تحطيمه واستبداله، وفي الوقت نفسه أقوى من كل محاولات تحنيطه أو قولبته وفق هوى سياسي لطرف مغرور أو مغامر أو طامح بالمستحيلات.
لا إبداع في هذه الرواية، ولا خروقات في حبكتها، ولا خاتمة منطقية لفصولها المتعاقبة. ومع ذلك تُباع بكثرة.

بحيث أن التكرار دجّن الناس في الإجمال وقولبهم على التلقي والقراءة والتفرج على ما يجري أمامهم ولهم وعندهم، من دون أن يلوح في أفق الزمان أو خلف غيم الجغرافيا، أي أمل بالوصول الى خواتيم سعيدة!

نظام أكبر من أزماته. وكيان أكبر من حدوده.
لكن الأدوار المشتهاة أكبر من قدرة أصحابها مهما تجبّروا وبنوا. وأكبر من قدرات العموم على التحمّل، بل أكبر من قدرة أي مساحة في السياسة والجغرافيا، في المدار والمحيط، على استيعابها أو التعايش معها.

ليست بهذا المعنى، معضلة تعطيل عمل مجلس الوزراء، وصلب مصالح اللبنانيين، كلهم من دون استثناء، على شجرة "الشهود الزور" إلا فصلاً واحداً من ذلك السياق الآخذ بنا الى طموحاته، والمفترض اننا وقود يُحرق في ماكينة مشروعه المستحيل.. وليس تعطيل المنطق وتحطيم مسلّمات العقل إلا رديفاً للوهم. وليس هذا إلا وليداً لذلك الحطام العقلي قبل أن يكون وليداً للحساب وبديهياته.

يُعطّل عمل الحكومة. بل ان "المشروع" ينصّ على فرطها وتعطيل كل مقوّمات السلطة بتركيبتها الراهنة، حيث الحساب عند الممانعين يفيد بأن الفرصة سانحة من أجل قلب عاليها سافلها.

فصل سبق أن قرأنا شبيهاً له في الرواية اللبنانية المألوفة… قرأنا واستنتجنا ان الوهم عابر (ومدمّر) فيما الحقيقة مقيمة (ومأزومة): نظام لبنان حقيقة مأزومة، لكنه ليس وهماً وليس عابراً!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل