بعدما دأبت قوى 8 آذار على أن تقول شيئاً وتفعل شيئاً آخر
الاتفاق أولاً على مفهوم واحد للدولة والشركة الوطنية
"الشركة الوطنية" التي أصرت قوى 8 آذار على اعتمادها في تشكيل الحكومات كي تتشارك كل القوى السياسية الاساسية والعائلات الروحية في اتخاذ القرارات ولاسيما منها المهمة بالتوافق باتت في حاجة الى تفسير توحيداً لمفهوم هذه "الشركة"، كما ان سياسة التوافق هي في حاجة ايضا الى تفسير لئلا يثير تطبيقها خلافات حول المواضيع التي يتطلب بتها بالتوافق فقط، وتلك التي يتطلب بتها بالتصويت عندما يتعذر التوافق.
وهذا ما جعل الرئيس الحريري يقول في حديثه الى صحيفة "الحياة"، "ان الشركة الوطنية وحدها سبيلنا الى بر الامان شرط الا تعني تقاسم الحصص الطائفية والمذهبية بين الاطراف، بل المشاركة في المسؤولية في بناء الدولة وتسيير شؤون الناس، وليس باقتسام ادارات الدولة ومؤسساتها، وان "حكومة الوحدة الوطنية" بنيت على اسس واضحة وصريحة وردت في بيانها الوزاري ومنها الاهتمام باولويات الناس، وقد مضت شهور والملفات تتكدس على طاولة مجلس الوزراء لان البعض ينظر الى الشركة بعين الحصص وليس بعين المسؤولية الوطنية المشتركة".
واذا كان الرئيس الحريري اثار الموضوع مع قوى 8 آذار من زاوية "الشركة الوطنية" التي اصرت هذه القوى على اعتمادها في تشكيل الحكومة فحولتها، بكل اسف، الى مشاكسة ومناكفة، وعلى اعتماد ما سمته توافقية، في بت المواضيع المهمة، فاذا بها تحددهي استنسابيا المواضيع التي لا يحسم الخلاف في شأنها بالتصويت بل بالتوافق وتلك التي تحسم بالتصويت عند تعذر التوافق.
يقول وزير انه بات على قوى 8 آذار ان تحدد بوضوح وصراحة ماذا تريد. هل تريد العبور مع قوى 14 آذار الى الدولة بمفهوم واحد اي ان تكون الدولة واحدة قوية ولا دولة سواها ولا تكون سلطة غير سلطتها وقانون غير قانونها ولا سلاح غير سلاحها، وعندها ينبغي ان يوضع كل سلاح خارج الدولة بأمرتها وفي كنفها. اما اذا كانت قوى 8 آذار لا ترى تناقضا بين وجود السلاح خارج الدولة وسلاح الدولة وان تبقى الامرة غير واحدة عليه فلا سبيل عندئذ للاتفاق على قيام الدولة المنشودة واستمرار الخلاف مع ذلك ينسحب سلبا على كثير من المواضيع الاخرى، ولا يعود معنى للشركة الوطنية، في اي حكومة، لانها تتحول بدون شك الى مشاكسة ومناكفة تجمد عملها وتشل المؤسسات كما هو حاصل حاليا بسبب الخلاف على ملف شهود الزور، وهو ملف شائك مثل ملف سلاح "حزب الله" لا يحسم بالتصويت بل بالتوافق.
واغرب ما في "الشركة الوطنية" ان يفتح كل وزير في الحكومة على حسابه، فلا تضامن بين اعضائها، ولا انسجام، بحيث بلغ الامر حد استعداد الوزير للمشاركة في التظاهرات ضد وزارته او ضد وزارات اخرى وبالتالي ضد الحكومة كلا. وهذه بدعة غريبة لم يفكر بها احد من قبل بل كان الوزير الذي لا تقف معه الاكثرية في الموافقة على مشروع مهم من مشاريعه يستقيل منها وينضم الى صفوف المعارضة، لا ان يبقى في الحكومة ليقوم بدور المعارض من داخلها. فقرارات مجلس الوزراء ملزمة لجميع اعضاء الحكومة وفقا لمبدأ التضامن الوزاري (المادة 28 من النظام) اما اذا اصبح من حق كل وزير ان يقف ضد الاكثرية اذا لم تقف معه في ما يطرحه على مجلس الوزراء او يتظاهر مع المتظاهرين اذا لم يدرس مشروعه ساعة يشاء لبته، فأي معنى يبقى عندئذ لما يسمى حكومة "الوحدة الوطنية" وللشركة الوطنية، في تحمل المسؤولية المشتركة في مواجهة مجلس النواب والاحتكام الى الشعب.
ويضيف الوزير نفسه: ليت الامر يقف لدى وزراء 8 آذار عند هذا الحد فهم يقولون شيئا ويفعلون شيئا آخر. قالوا بانتخاب رئيس توافقي للجمهورية، فارادوه ان يكون طرفا ولا حتى حكما. قالوا بتشكيل حكومة وحدة وطنية تحقيقا للمشاركة الوطنية فارادوها حكومة منقسمة على نفسها وغير متضامنة حول كثير من المواضيع، وقالوا بوضع الملفات الشائكة جانبا والانصراف للاهتمام باولويات الناس فاذا بهم يصرون على بت ما يريدون من هذه الملفات واهمال اولويات الناس، لا بل تعطيل جلسات مجلس الوزراء الى ان يبت ملف شهود الزور مع انه يعتبر من الملفات الشائكة. أيدوا تشكيل المحكمة الدولية الخاصة بلبنان وبالاجماع في هيئة الحوار الوطني ثم انقلبوا عليها وحكموا على نزاهتها وعدالتها بالتسييس قبل ان يصدر اي حكم عنها، وحكموا على القرار الاتهامي بالظن قبل ان يصدر… قالوا كل وزير لا يسهل اقرار المشاريع المهمة ولاسيما ما يخص منها شؤون الناس وهمومهم المعيشية عليه ان يستقيل، واذا بهم يعرقلون اقرار المشاريع ويعطلون جلسات مجلس الوزراء وينضمون الى معارضي الحكومة ولا يستقيلون، فجعلوا من حكومة الوحدة حكومات ووحدات… قالوا باهمية انعقاد هيئة الحوار الوطني للبحث في المواضيع الشائكة ولاستمرار التلاقي والتواصل لان في البعد جفاء، ثم قرروا مقاطعة اجتماعاتها فانتهى الامر الى توقفها وتعطيل اجتماعاتها مع ان انعقاد هذه الهيئة نص عليه "اتفاق الدوحة" فشكل موقفهم هذا ليس اول مخالفة له، بل سبق ذلك مخالفة اخرى اهم لمنطوق هذا الاتفاق عندما استخدم السلاح خارج الدولة في اكثر من منطقة وكاد يشعل فتنة. قالوا بضرورة تعزيز صلاحيات رئيس الجمهورية لتمكينه من ان يكون حاكما وحكما، واذا بهم يحولون دون تمكينه من استخدام ما تبقى من صلاحياته عندما يترأس جلسات مجلس الوزراء، وحتى الاعتداء على صلاحيات رئيس الحكومة في اعداد جدول اعمالها بفرض ما يريدون ادراجه فيها. وقالوا بالتزام تنفيذ القرارات الدولية واذ بهم يعلنون معارضتهم بعضها ويطلبون التخلي عنها وطلب الغائها… قالوا باحترام التحقيقات العدلية والاحكام القضائية واذا بهم ينتقدون ويشكون من بعضها، ويطالبون باستقلالية القضاء… واخيرا وليس آخرا قالوا انهم مع ما تقرره السعودية وسوريا لاخراج لبنان من ازماته، ثم راحوا يسربون الشروط التعجيزية والمطالب غير المحقة ويملون على اصحاب المساعي رغباتهم. رحبوا باول زيارة قام بها الرئيس الحريري لدمشق وبالحديث الذي ادلى به الى "الشرق الاوسط"، ثم راحوا يهاجمونه ويتهمونه بالتراجع عن مواقفه واعتبار الزيارة تنازلا عن المحكمة الدولية الخاصة بلبنان وعن دم والده من اجل الاحتفاظ برئاسة الحكومة ولو على حساب شعبيته، كما اتهموه بعدم ملاحقة شهود الزور بعدما اعتبر انهم ضللوا التحقيق واساؤوا الى العلاقات بين لبنان وسوريا وطالبوه بان يعلن براءة "حزب الله" من جريمة اغتيال والده، كما برأ سوريا منها وكأنه هو المرجع الصالح لذلك…
وختم الوزير بالقول: لقد بات مطلوبا من قوى 8 آذار ان تعلن بوضوح وصراحة ماذا تريد لا ان تظل تقول شيئا وتفعل شيئا آخر.