في ضوء كلام العماد ميشال عون الاخير في مؤتمره الصحافي بتاريخ 4 كانون الثاني 2011 عن الخيارات الخاطئة للمسيحيين، نرى من واجبنا تذكيره بالاتي:
اولا: ان كان حديثه عن الخيارات الخاطئة التي تشكل خطر على المسيحيين يقصد من خلاله اخطاؤه هو بحق المسيحيين منذ عام 1989، فإنه على حق ونحن نؤيده بلا تحفظ. فجردة سريعة للحساب تبين للقاصي والداني انه ان كان هناك من خطأ يوما في خياراته السياسية بحق المسيحيين وشكل بالتالي خطرا عليهم فهو العماد عون بالذات ومنذ توليه المسؤوليات الحكومية في الحكومة العسكرية التي شكلها الرئيس امين الجميل ليلة انتهاء ولايته عام 1988.
فالعماد عون الذي ترأس حكومة عسكرية لتأمين الظروف المناسبة لانتخاب رئيس للجمهورية انذاك اغتصب السلطة وحوّل نفسه الى حكومة دستورية تحكم وتضرب عرض الحائط المهام التي انيطت بها – فمن حكومة انتقالية مكلفة بتهيئة الظروف في البلاد لملء الفراغ الدستوري على رأس الدولة حول العماد عون حكومته الى حكومة قال يومها للصحافة بانه هو "رئيس وستة وزراء " – فكان الخيار الخاطىء الاول من رجل عسكري كان مفترض به ان يتقيد بالنظام والدستور لا ان ينقلب عليهما.
ثانيا: بعدها، وبدل ان يهيىء وحكومته الظروف لانتخاب رئيس للجمهورية، شن عون حربا شعواء على الجيش السوري المحتل انذاك للبنان – فكانت حرب التحرير. وفي هذه الحرب المشروعة والجيدة في المبدأ، ولكن التي اعلنها من دون استشارة احد في الجانب المسيحي ومن دون تأمين اي دعم او تأييد دولي لها، دمر الحجر والبشر في المناطق اللبنانية في حرب سميت "تحريرية" ولكنها في الواقع كانت عبثية لانها اقتصرت على التقاصف وادت الى انقسام البلد بين المسليمين والمسيحيين – فيما كان العماد عون مصرا على " قلع المسمار السوري" من لبنان – يومها أيدته "القوات اللبنانية" والدكتور سمير جعحع شخصيا رغم الاقتناع بعبثية الحرب وعدم جدواها بالشكل الذي كانت تدار بها من قصر بعبدا وقيادة الجيش في اليرزة. فانكشف لبنان اقليميا وعربيا ودوليا بغياب اي سند واي دعم واي تأييد او تحالف وبغياب اي تقدم على الجبهات مع السوريين المحتلين انذاك، فكان الخطأ الثاني في خياراته: دمار وحصار بحري وجوي وبري على المناطق المسيحية في مقابل عدم تسجيل اي خرق ديبلوماسي او سياسي واو عسكري من جانب العماد ودولته – فدفع المسيحيون ما دفعوا من اثمان ومن دمار ومأساة وعندما تجرأت احدى الصحافيات على سؤاله عن جدوى هذه الحرب والابرياء يقتلون صاح بوججها الجنرال "انها الحرب وفي الحرب يسقط الابرياء"، متناسيا ان الابرياء الذين كانوا يسقطون كانوا مسييحين بالدرجة الاولى.
ثالثا: عندما انتهت حرب التحرير باقرار وثيقة الوفاق الوطني في الطائف – والتي كان للجنرال الفضل الاول طبقا لموازين القوى الميدانية والاقليمية والدولية انذاك وتبعا لفشل حربه التحريرية في اخراج الجيش السوري من لبنان – في اقرارها رغم انقلابه عليها في ما بعد، ادار بندقية الجيش اللبناني والقوى النظامية الشرعية ضد المجتمع المسيحي ليحاول تغطية فشله في حرب التحرير وخطأ خياراته التحريرية بالشكل الذي كان يخوض بها حروبه – فاصطدم بـ"القوات اللبنانية" لاحكام سيطرته على الشارع المسيحي وتعبيد الطريق امام المساعي العربية يومها للوصل الى رئاسة الجمهورية على اساس انه الحاكم المطلق للمسيحيين. فاشعل شلال دماء مسيحي – مسيحي في المنطقة الشرقية، وانتهت الحرب بين الاخوة وفي البيت الواحد المدمرة والتي سيكتب التاريخ عنها يوما لتحمل من يجب ان يتحمل تبعاتها المسؤولية الكاملة عن مأساة المسيحيين بتدخل سوري "لقلعه هو" من بعبدا بالقوة بعدما فشل في تطويع "القوات اللبنانية" وفي القضاء على مسيرة المقاومة المسيحية انذاك. فكان الخطأ الثالث في خياراته واضحا للعيان ولكل مراقب ومحلل سياسي.
رابعا: نفي العماد عون الى باريس واستقر فيها سنوات فيما قامت "القوات اللبنانية" المؤمنة بمشروع الدولة وبضرورة طي صفحة الحرب الاهلية وتقوية الدولة ومؤسساتها بناء على اتفاق الطائف الذي اصبح دستور الدولة والتي ايدته "القوات" – بتسليم سلاحها كاملا الى الدولة والى الجيش والقوى الامنية. وتحولت "القوات" الى العمل السياسي والى المشاركة في الحكومة ومؤسسات السلطة الى ان انقلب عرابوا اتفاق الطائف على الاتفاق في ظل معادلة اقليمية – دولية جديدة لزمت لبنان للسوريين في مقابل دعم نظام دمشق للتحالف الدولي ضد الرئيس صدام حسين في العراق انذاك. فاعتقل الحكيم لا لشيء الا ثمنا لاخطاء الجنرال وخياراته الفاشلة والخاطئة التي سمحت للنظام الامني السوري – اللبناني بالدخول الى عمق اعماق المنطقة المسيحية واضطهاد المجتمع المسيحي السيادي الحر وكم الافواه واحالة الاحرار والشرفاء الى محاكمات مخابراتية مفبركة تبين زيفها بمجرد تبرئة الحكيم من جريمة تفجير كنيسة سيدة النجاة. فعلى مسؤولية العماد عون تقع تبعة اضعاف الصف المسيحي وانقسامه واضعافه الذي سمح للاخرين من الدخول والسيطرة على البلد لان سقوط المسيحيين اسقط لبنان كله تحت الاحتلال وقبضة النظام المخابراتي الامني السوري منذ 1991 ولغاية 2005.
خامسا: اليوم بعد عودته من المنفى عام 2005 وبدل ان يلتحم العماد عون بالمسيحيين لاستكمال وتصحيح الاخطاء التي اقترفها في سياساته السابقة بحق المسيحيين عاد وابتعد عنهم وتحالف مع نقيضهم العقائدي ونقيضهم الثقافي، لا بل نقيضهم الاستراتيجي في الوطن. فتحالف مع "حزب الله" الذي لطالما اقر في دساتيره وانظمته الداخلية بانشاء الدولة الاسلامية في نهاية المطاف على اساس ولاية الفقيه، ومع سوريا التي خاصم نظامها المسيحيين والتي يعج تاريخه بمحطات التوتر والتصادم مع المسيحيين اللبنانيين لعقود من الزمن والى الان مع استمرار ملفات وطنية كبيرة عالقة بينهم، فتراجعت شعبيته في انتخابات 2009 النيابية بعدما وصلت الى 70% لدى عودته من المنفى عام 2005 – وتراجعت شعبيته في الانتخابات النقابية والطالبية والمهنية المختلفة حتى يومنا هذا. فكان الخطأ الرابع في خياراته وقد فضل العماد عون معاداة العالم كله في سبيل كسب سوريا و"حزب الله" وايران وحدهم دون سواهم ولو كلفه ذلك اباحة فكر ولاية الفقيه في لبنان واباحة المد المسلح غير الشرعي الى المناطق المسيحية كما اعترف بنفسه واستباحة الثوابت المسيحية التاريخية ونداءات بكركي المصيرية او كلفه ذلك ان يتحول الى شاهد زور لضرب الصيغة وضرب النظام باسم تحالفه مع "حزب الله" وقوى "8 اذار" المستورد القسم الاكبر منها عقائديا وسياسيا من خارج الحدود. ومع ذلك يتكلمون عن الانفتاح المسيحي على العمق العربي، وها هو يخاصم مصر اليوم كما يخاصم كافة الانظمة العربية – ويعتبر مبادرة الـ "س – س" غير موجودة بالنسبة اليه موجها سيفه باتجاه المملكة العربية السعودية تحديدا – مخاصما الاميركيين والاوروبيين والامم المتحدة والمحكمة الدولية … ليصبح دوره صدى لحليفه "حزب الله" ليس الا … فها هي خياراته الخاطئة تتجلى بابهى حلاها …
لذلك نقول ان قصد العماد عون بالخيارات الخاطئة التي تشكل خطرا على المسيحيين خياراته هو فانه على حق – في ضوء الجردة الموجزة اعلاه – اما ان قصد خيار "القوات اللبنانية" ومسيحيو "14 اذار" فكلامه مردود عليه بالشواهد والحقائق التي ليس اقلها العلاقات القوية لـ"القوات" ومسيحيي "14 اذار" مع العالمين العربي والاسلامي حاليا وانخراطهم الكبير في مشروع الدولة اللبنانية القوية – والحفاظ على رسالة لبنان الحضارية والانفتاحية على العالم كله – واحترام لبنان المواثيق والمعاهدات الدولية والشرائع العالمية – واقامة سيادة القانون على الجميع والانتهاء من فوضى السلاح والدويلات والمربعات الامنية – والعمل من اجل لبنان فقط لا من اجل عقيدة او فكر او استراتيجية غريبة عن مصالح لبنان العليا – وتعزيز الوحدة الوطنية بين المسلمين والمسيحيين والتي تكرست باجمل مظاهرها في قوى 14 اذار … فاين الجنرال منها كلها اليوم ؟؟؟
فالخيارات الخاطئة التي تكلم عنها الجنرال خياراته هو عبر تاريخه السياسي … وهو عندما يمنن النفس بأن تحالفه مع "حزب الله" انقذ المسيحيين من الخطر والفتنة انما يدين حليفه اولا ويظهر كم انه ارتضى لنفسه ان يتقلص دوره من زعيم للمسيحيين الى حارس على ابواب "حزب الله" لمشروع اجندات اقليمية ارتبط بها "الحزب" ولم يعد بامكانه التفلت منها…
هذه هي الخيارات الخاطئة التي تشكل خطرا على المسيحيين … فهل يقتنع الجنرال ؟؟؟
