نادراً ما كانت نتائج اقتراع معروفة سلفاً كما هي الحال بالنسبة الى الاستفتاء على تقرير المصير لجنوب السودان. فبعد عشر سنين من التفاوض وأكثر من نصف قرن من القتال في واحدة من أكثر الحروب الاهلية وحشية، بدأ السودانيون الجنوبيون امس يدلون بأصواتهم في استفتاء على الانفصال عن الحكومة المركزية في الخرطوم، في يوم حلم به كثيرون وسقط من أجله أكثر من مليوني قتيل. ومع أن الاقتراع سيستمر أسبوعاً والفرز أسابيع، فلا شك في أن كبرى الدول الافريقية ستنقسم قسمين، وأن جنوبها الذي يعتبر من أفقر مناطق العالم، وإن يكن غنياً بالنفط، سيختار الانفصال والاستقلال بعد 55 سنة من الوحدة مع الشمال، في خطوة قد لا تقتصر تداعياتها على جنوب السودان وقد تتعداها الى الدول المجاورة.
وبمساحة تقريبية تبلغ 700 ألف كيلومتر مربع تقريباً، أي ما يعادل ثلث مساحة السودان، وحدود تمتد 2000 كيلومتر تقريباً مع ست دول هي، الى السودان، إثيوبيا وكينيا وأوغندا والكونغو وافريقيا الوسطى، ستكون ولادة الدولة الافريقية الـ54 والدولة الـ193 في الامم المتحدة.
وفي جوبا، عاصمة الجنوب، كان الفرح عارماً أمس، وأقبل السودانيون الجنوبيون على مراكز الاقتراع بكثافة، في ما يعتبروته تتويجاً لطريق طويل مخضب بالدماء نحو التحرر من هيمنة الشمال المسلم. وبتشجيع أميركي، من بعد كما من قرب، وقفوا بصبر صفوفاً طويلة في انتظار الإدلاء بأصواتهم، غنوا ورقصوا ولوحوا بالعلم الجديد لدولة لم يختاروا اسماً لها بعد.
لكن نشوة الاحتفالات لن تلبث أن تخمد أمام واقع مرير ينتظر الدولة العتيدة التي مزقتها سنوات الحرب، ولا شك في أن الآمال الكبيرة لدى الجنوبيين في بناء دولة جديدة من الصفر ستتحول عبئاً يثقل كاهل الحكومة الجديدة. وفيما لن يدخل الاستقلال حيز التنفيذ قبل تموز المقبل، لا تزال ثمة مسائل كثيرة عالقة مع الشمال، ومنها تقسيم عائدات النفط والحقوق في مياه النيل الابيض وترسيم الحدود ووضع منطقة أبيي حيث يخشى عودة العنف.(راجع العرب والعالم).
أوباما
وبعدما واكب الرئيس الاميركي باراك أوباما الاستفتاء التاريخي بمقال في صحيفة "النيويورك تايمس" رسم فيه ما يشبه "خريطة طريق" لعلاقات طبيعية بين الخرطوم وواشنطن، رحب في بيان بالاستفتاء، وحذر جميع الأطراف من تبني لغة خطاب تحريضية أو أعمال عنف من أجل ثني الناس عن الذهاب الى مراكز الاقتراع.
وقال: "هذه خطوة تاريخية في العملية التي استغرقت سنوات من أجل التطبيق الكامل لاتفاق السلام الشامل الذي أنهى الحرب الأهلية بين الشمال والجنوب… نعرف أن هناك من قد يحاول تعكير صفو التصويت… على جميع الاطراف أن يمتنعوا عن الخطاب التحريضي او الاعمال الاستفزازية التي قد تفجر توترات او تمنع الناخبين من التعبير عن ارادتهم". وأكد أن العالم متحد في عزمه على ضمان وفاء جميع الاطراف بالتزاماتهم.
ورأت وزيرة الخارجية الاميركية هيلاري كلينتون ان بدء الاستفتاء في جنوب السودان يمثل "نجاحا" و"يشكل خطوة تاريخية" في اتجاه السلام.
وقالت ان "الانطلاق الناجح للاقتراع في استفتاء جنوب السودان يشكل خطوة تاريخية نحو تطبيق اتفاق السلام الشامل في السودان". واكدت ان الشعب السوداني يستحق تصويتا سلميا "سيعكس في النهاية ارادته… كما نقدر اعتراف الاطراف بأهمية استمرار التعاون أيا تكن نتيجة" الاستفتاء.