يقال في لغتنا العامية "شوف العنزة وشراب من حليبها"، ويقال ايضا في لغتنا العامية "القردة ما بتخلف وردة"، ويقال ايضا في لغتنا العامية وكما وردت على لسان المرحوم جدي"، ولا بأس بأن نستعرض في بعض السطور بعضا مما كتب في الجنرال ابو زيد الهلالي ويكفي بأن نسترجع ما قاله السيد حسن بالسيد الجنرال.
ففي كلمة للسيد حسن نصر الله ألقاها باسم المقاومة الإسلامية في احتفال تأبيني أقيم في حسينية الرمل في برج البراجنة (الضاحية الجنوبية في الذكرى الأولى للمقاوم عبد الله عطوي (الحر العاملي) عام 1989)، كما نشرتها حرفياً جريدة "النهار" اللبنانية بتاريخ 6/11/1989: "في خضم الأحداث في لبنان تبرز مشكلة اسمها "اتفاق الطائف"، ومشكلة اسمها ميشال عون وليس صحيحاً أن من يرفض "اتفاق الطائف" هو مع ميشال عون. إن "اتفاق الطائف" مشكلة لأنه يكرس النظام الطائفي ولا إصلاحات، بل زيادة في عدد النواب، وقد أعطيت صلاحيات لمجلس الوزراء وبقي رئيس الجمهورية القائد الأعلى. إن مشكلتنا في لبنان هي النظام الطائفي الذي سيبقى في ظله الحرمان، والبديل كما قال (مرشد الجمهورية الإسلامية أية الله علي خامنئي) إن النظام يجب أن يسقط والناس هم يحددون صيغة النظام الجديد. وما نتمناه أن يختار الناس والشعب في لبنان النظام الذي يريدونه بعيداً عن الضغوط ونحن مع حق الشعوب في تقرير مصيرها(…) أما أن ميشال عون مشكلة، فلأنه حالة إسرائيلية صدامية وتدميرية ولا يرى إلا مصالحه الشخصية ومصالح طائفته. فهو النهج الماروني العنصري في الشرقية".
اننا لا نتفق مع "حزب الله"، على أي شيء إطلاقاً، لا في السياسة، لا في الثقافة، لا في المعايير الوطنية والاجتماعية والمعيشية ولا في الإيديولوجية، لكننا نعترف بأن هذا الحزب واضح جداً في طروحاته وأهدافه. وهو لا يخفي البتة مشروعه الإيراني، مشروع إقامة دولة ولاية الفقيه في لبنان، كما أنه يجاهر بفخر واعتزاز بتبعيته المطلقة للمرجعية الدينية الخمينية في إيران، وهو يقسم وفقا لمعاييره الأصولية والمذهبية القيادات اللبنانية والعربية إلى فئتين: واحدة تواليه وتتقيد بمشروعه وتنفذ فتاويه، وهذه وطنية، وأخرى تعارضه وتقف في وجه مشروعه وهي عميلة وخائنة وإسرائيلية وأميركية.
هذا الحزب وعلى خلفية مفهومه المذهبي "لدار الإسلام ودار الحرب" هو على استعداد دائم للتحالف مع أي كان مرحلياً، إذا كان هذا يمهد الطريق لتحقيق مشروعه وهو جمهورية اسلامية. ولنتابع في فتح بعض الصفحات من تاريخ جنرال الخيبة هذا، كاد الاسرائيليون يعيّنونه مكان سعد حداد عام 1983 بعد ان اكتشف الاسرائيليون اصابة سعد حداد بسرطان الرئة، اثر ادخاله مستشفى رامبام، قررت القيادة العسكرية متابعة شؤون لبنان وشكلت لجنة لأختيار ضابط لبناني ليحل محل سعد حداد في قيادة جيش لبنان الجنوب. توجهت هذه اللجنة الى لبنان برئاسة الجنرال آسا ياركوني وهو من اصل بولندي، تسلم مهمة رئاسة الاستخبارات الخارجية للموساد وكان معه جهاز عسكري كبير ضمنه اشاي ساغي. وصلت اللجنة الى لبنان ونزلت في مرفأ قرب الضبية وكانت تنتقل وتتحرك بثياب مدنية وهي تحت حماية صهيونية، ولكنها كانت تتحرك ايضاً بحماية من عناصر في الجيش اللبناني، وكانت صلاحياتها مطلقة.
وقد عقدوا اجتماعات مع ضباط كثر في الجيش اللبناني منهم العقيد خليل والعقيد ابو رزق.. مركزين على العقداء في الجيش اللبناني شرط ان يكونوا مسيحيين موارنة، متجاوزين نظرية موسى شاريت السابقة التي كانت تقضي بالبحث عن ضابط مسيحي ماروني برتبة رائد للتعاون معهم.. لكن هؤلاء العقداء الذين قابلوهم رفضوا التعاون مع الاسرائيليين.
لم تتغير فقط رتبة الضابط الذي يريد الاسرائيليون التعاون معه، بل ايضاً مهماته العسكرية والسياسية تغيرت.. بعد ان شعرت بأن سيطرة هذه المنظمات على كل القرى اللبنانية المتاخمة للحدود معها الغى عملياً المنطقة الفاصلة بينها وبين لبنان، اذ ان المنظمات هذه المنظمات المسلحة على الحدود مباشرة مع اسرائيل ومواجهة تشكل خطراً عليها. كانت مهمة سعد حداد القرى اللبنانية واقناع المزارعين اللبنانيين ان يظلوا في قراهم.. فترسل لهم جرارات زراعية لحرث اراضيهم وتستقطب عمالاً زراعيين لبنانيين للعمل في بساتين المستعمرات على الحدود، ثم يعودون الى قراهم ليظلوا فيها ولا يتركونها للمنظمات الفلسطينية، وان تستقطب الشباب اللبناني بأي شكل من الاشكال، حتى لا يقاتلها في صفوف المنظمات الفلسطينية، وانشأت معامل صغيرة ومستوصفات في معظم القرى لاستقطاب الشيعي اكثر من المسيحي.
ولم تكن اسرائيل تمانع بوجود قطع اسلحة فردية في منازل سكان القرى اللبنانية حتى لو كان صاحبه من "حركة امل"، لأنها كانت تراهن على التناقض الذي كان يتصاعد بين ابناء المنطقة وبين المنظمات الفلسطينية، حتى اذا حصل الاجتياح الصهيوني للبنان بدءاً من جنوبه وجدت اسرائيل من يرحب بها في هذه القرى ويرش عليها الارز ويوزع الحلوى ويتقاطر الاطفال للحصول على معلبات او حلوى اومرطبات من الجنود الصهاينة.
اما في عهد انطوان لحد، فإنهم بحثوا عن قائد عملاني محترف، وبعكس سعد حداد الذي لم يكن له أي مهمة عسكرية، فإن لحد كلف بمهمات عسكرية – تشكيل قوة مساندة والقيام بعمليات بديلاً عن الجيش الصهيوني – كان لحد قريباً جداً من قيادة الجيش اللبناني.
اراد الاسرائيليون اعطاء لحد دوراً عسكرياً قتالياً، ولم ينجحوا.. كان سعد حداد شخصية ضعيفة، بينما كان لحد شخصية اقوى، نفذ اوامر اسرائيل الاستخباراتية والعسكرية.. وظل على صلة مع قوى سياسية في المنطقة المسيحية في لبنان. ويوم طرح اسم العقيد ميشال عون جاء ضابط من رفاق عون وطلب ان تلتقي اللجنة مع العقيد ميشال عون الذي يمكن ان يحل مكان سعد حداد في قيادة جيش لبنان الجنوبي، مشيراً الى استعداد عون لهذه المهمة.. لم تمانع اللجنة في لقاء عون والتقت بأركانها الثلاثة ياركوني وساغي والشخص المدني الذي يبدو انه هو صاحب القرار.. لمقابلة عون.
الضباط الاسرائيليون جاؤوا مدنيين لكن عون فاجأهم بأنه قدم مرتدياً ملابسه العسكرية ورتبة العقيد على كتفه، يرافقه ضابطان بملابسهما العسكرية ايضاً وأدوا التحية، كانت الجلسة للتعارف وتبادل الانخاب وتناول العشاء وأحاديث اجتماعية ونكات.
انتهى الاجتماع، وأبدى عون استعداده ان يكون اللقاء الثاني على العشاء في منـزل صديق، فتمت الموافقة فوراً.. لأن الاسرائيليين كانوا في عجلة من امرهم حيث يعيش سعد حداد الرمق الاخير من حياته. اقام صديق عون وليمة كاملة ادهشت الاسرائيليين بكرمها وتنوعها.. وكان عون ايضاً في بدلته العسكرية.. مما ازعج الاسرائيليين الذين كانوا يريدون ان يكون الامر سرياً في بادىء الامر، خاصة وأنهم كانوا في مرحلة الاختيار بين مجموعة من الضباط ويريدون لخياراتهم ان تنجح، من دون الخضوع للاستعراضات والاعلام.
كان الاسرائيليون شديدي الحرص على الا يعرفهم احد، كانوا يتنقلون بسيارات مختلفة وكلها قديمة وتكاد تكون مهترئة، لم يكن أي منهم يحمل أي قطعة سلاح ولا حتى سكين مطبخ. انه جيش غريب، حتى ان اسرائيل لا تقيم مدرسة حربية، بل هناك دورات عسكرية توضع شروطها ونظمها داخل لوحة اعلانات في الثكنات العسكرية، وكل من يريد اختيار أي سلاح للالتحاق به يقدم طلبه اليه ويتابع دراسته فيه، وهو تحت مراقبة شديدة من المدنيين الذين ينتمون لأجهزة استخبارات.
الضابط عندهم لا يحصل على رتبته إلا عبر عملية عسكرية أو أمنية فيترقى بعدها حتى ان هناك ضابطاً وصل إلى رتبة عقيد وله من العمر 28 سنة، عكس جيوش العالم التي يتم الترفيع فيها حسب سنوات الخدمة فقط.. وحسب دراسته، بينما في إسرائيل حسب نشاطه وعمله.
نعود إلى ميشال عون…
عندما دخل على الضباط الإسرائيليين هجم عليهم تودداً وانهال عليهم بالقبلات مما اثار استغرابهم، فمعرفته بهم ومعرفتهم به لم تتعد لقاء يتيماً سابقاً، وهذا هو اللقاء الثاني. فكيف هذه المودة الشديدة؟
بعد تناول العشاء والحلويات.. تحدث الضابط المدني مع عون طالباً منه الانتقال إلى غرفة جانبية للحديث الثنائي، فانفرد الاثنان في لقاء بأنتظار طائرة عمودية اسرائيلية لينطلق ميشال عون من القاعدة البحرية في جونية الى اسرائيل. ولكن المفاجأة سبقت وصول الطوافة بتقرير احدث صدمة لدى الطرف الأسرائيلي بأن ميشال عون هو عميل للأستخبارات السورية حضرته دمشق لأستخدامه في الحصول على معلومات بصفته الجديدة هذه.