كتب دي بلومفيلد في صحيفة "هآرتس":
يتذكر كثيرون بالتأكيد كيف كان جيران صدام حسين يشيرون إلى ما يمتلكه من أسلحة دمار شامل في ترسانته، وكيف طرد مفتشي الأمم المتحدة، وأثار الشكوك بذلك بأنه كان يصنع أسلحة نووية بجانب أسلحته الجرثومية والكيميائية الأخرى. بل وحتى ضباط صدام العسكريين الكبار كانوا يصدقونه في هذا المجال. والأسوأ من هذا هو أن جورج دبليو بوش وديك تشيني صدقاه أيضاً.
لذا اختارا مبدأ "أطلق النار أولاً ثم اطرح أسئلتك فيما بعد".
ولم يهتم الرجلان بالتالي بما إذا كان صدام يخدعهما، لكنه كان يفعل ذلك بالطبع.
والآن، يبدو أن هذا السيناريو يعود ليتكرر من جديد، فهناك اليوم بعض الصقور من الذي كانوا في إدارة بوش، وعلى الأخص منهم الذين يؤيدون إسرائيل، يقولون الآن إنهم متأكدون من صحة معلوماتهم، وانهم لا يريدون المجازفة بتجاهل ما يجري في إيران.
أبرز هؤلاء سفير بوش السابق في الأمم المتحدة جون بولتون، الذي كان قد فشل رغم تأييد تشيني له بإقناع بوش بقصف إيران، لكنه يجري الآن خلف باراك أوباما كي يفعل ذلك.
والواقع أن خطورة هذا الموقف تتأكد بالفعل اذا تذكرنا أن الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد يبالغ جداً كما كان يفعل صدام في تبجحه حول قوته العسكرية.
يقول كيث وايزمان وهو محلل خبير في شؤون إيران: لم يكن لدى صدام أسلحة دمار شامل لكنه دفع الناس للاعتقاد أنه كان يمتلكها لدرجة خسر معها بلده.
لقد كانت أولويته ردع إيران ثم الولايات المتحدة لكنه يختلف بالطبع عن أحمدي نجاد لأن هذا الأخير لا يستطيع خداع جنرالاته كما كان يفعل صدام.
ويضيف وايزمان قائلاً: كما تبقى السياسة العسكرية في إيران بيد المرشد الأعلى علي خامنئي الذي هو من يحدد الخطوط العريضة للسياسة الاستراتيجية، ولديه مستشارون بعضهم منافس للرئيس نجاد.
لكن على الرغم من هذا، يجازف نجاد اليوم بارتكاب نفس خطأ صدام لأنه يدفع أعداءه للاعتقاد أن من الخطر جداً تجاهله وان من الضروري إزاحته.
وبدورهم، يعتبر الإيرانيون إسرائيل مصدراً للخطر، ولا يمكن التنبؤ بتحركاتها، لكنهم يعتقدون أن أوباما – مثل بوش – لا يريد الحرب، بل سيعمل على كبح الإسرائيليين.
غير أن هذه اللعبة تبقى خطيرة. فإيران تطور الآن قطاع صناعاتها العسكرية بمساعدة كبيرة من كوريا الشمالية والصين.
ولذا يقول محلل مطّلع إنه لن يشعر بالدهشة إذا ما جرى تقديم بعض التكنولوجيا، التي باعتها إسرائيل للصين ولإيران.
كما تزعم إيران أيضاً أنها طورت قاذفات بلا طيار وصفها أحمدي نجاد بـ«سفير الموت»، ولديها نظام دفاعي جوي جيد وصواريخ بالستية تستطيع ضرب تل أبيب والقواعد الأمريكية بالمنطقة.
وهذا عدا عن امتلاك البحرية الإيرانية ما تزعم طهران أنها أسرع الزوارق الصاروخية في العالم، بالإضافة الى 11 غواصة بصواريخ وطوربيدات مصنوعة محلياً.
لكن لماذا يحلو للرئيس أحمد نجاد التبجح دوماً بقوة إيران العسكرية؟
يبدو أن الهدف من هذا هو لإخافة الدول المجاورة الأضعف، واستغلال المشاعر المناهضة لإسرائيل والأمريكيين، كما يريد نجاد إقناع الشعب الإيراني بأن حكومته قوية جداً بحيث يستحيل الإطاحة بها لا من الداخل ولا من الخارج.
لقد أظهرت وثائق "ويكيليكس" أن الزعماء العرب يحبذون ان تواجه الولايات المتحدة أو إسرائيل النظام الإيراني لإسقاطه، لكن المعارضة الإيرانية تريد تغيير حكومة طهران دون مساعدة من الخارج حتى لا تبدو متواطئة.
وهنا نتساءل: هل الأسلحة التي يتحدث عنها نجاد بين الفينة والأخرى مجرد وهم أو خدعة؟
إذا كان هذا الاحتمال صحيحاً سينتهي الأمر بنجاد عندئذ بنفس ما انتهى إليه مع جاره صدام الذي خسر، ليس فقط نظامه بل وحياته نتيجة لتبجحه.