لا بد من الاشارة إلى أنه في مقالات سابقة وعلى خلفيات مختلفة طاولت رئيس الجمهورية ميشال سليمان، كنا رأينا أنها معيبة ومشينة في حق رئيس البلاد الذي هو فوق كل اعتبار، وخط أحمر لا يجوز المس به أو تجاوزه، وكتبنا حينها "فليخرس هؤلاء المتطاولون على رئيس البلاد"، و"مقام رئاسة الجمهورية فوق كل اعتبار"، و"رئيس الجمهورية لا يحتاج إلى دروس ومواعظ"، لنعود فنسمع البعض اليوم يهاجم الرئيس سليمان أو ينتقده. ففي خلال وجودنا في زيارة لدولة الامارات العربية المتحدة حيث نجد أنه من الطبيعي والضروري متابعة الأوضاع اللبنانية المتشنجة والمؤسفة، لفتنا حديث تلفزيوني مذهل لأحد الوزراء اللبنانيين السابقين الطارئين الذي يمكن وصفه بالمهرج تناول فيه رئيس الجمهورية باستهزاء منتقداً إياه، من بين أشياء أخرى، بأنه في صدد إصدار عفو عن أربعة لواطيين متهمين بجريمة قتل، فضلاً عن تعليقات مهينة في حق رئيس الوزراء سعد الحريري. هذا كلام بذيء ومعيب جداً في حق من يطلقه.
ونعجب كيف تستضيف تلفزيوناتنا شخصية دخيلة على السياسة اللبنانية تطلق تهجمات وتهديدات يمنة ويسرة وبطريقة مبتذلة. وشعرنا بالاحراج والخجل من الموجودين الى مائدة العشاء من الاخوان الاماراتيين المسؤولين الذين انتقدوا وعابوا التصرف غير اللائق في حق رئيس البلاد ورئيس الحكومة.
ومن غرائب لبنان وعجائبه أن أحد السياسيين الأطفال الجدد ينتقد أيضاً رئيس الجمهورية في أمور معينة ويتهمه بالتقصير. نحن بالطبع مع حرية الرأي التامة والتعبير بقوة وصدقية والمحافظة عليهما وصونهما دون أي تعديل، بحسب القوانين والدستور. انما ما نسمع ليس تعبيراً محقاً عن رأي، إنما هو تجنٍ ونقد جارح ولاذع في حق رئيس الجمهورية الذي يعمل جاهداً على تفادي أي زعزعة في الاستقرار الأمني والمحافظة على وحدة الحكومة المنقسمة أساساً على ذاتها بوجود فريقين متنازعين، وتلافياً لأزمة حكومية قد تؤدي الى ما لا تحمد عقباه. فهؤلاء الذين ينتقدون رئيس الجمهورية هم بالفعل من يعطل دوره ويشلّ مساعيه بآرائهم المنحازة ومواقفهم المتضاربة والتحريضية عوض أن يساندوه في تطلعاته ويقفوا إلى جانبه لتحقيق أمنياته وآماله في أن يعيد لبنان إلى سابق عهده ومجده ودوره الطليعي والرائد في المحافل العربية والاقليمية والدولية واعادة صورته المشرقية والزاهية في العالم قاطبة.
وكان الرئيس سليمان أبدى أسفه "لأن التجاذبات السياسية تؤخر كل الانجازات التي يجب أن نقوم بها". وحتى اننا نسمع بعض كبار القوم يتهم رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة بأنهما مسؤولان عن تعطيل دور الحكومة. وإحقاقاً للحق والحقيقة نذكر من المواقف البناءة والايجابية للرئيس سليمان أنه في جلسة مجلس الوزراء الأخيرة عمل على رفعها الى موعد جديد رغبة منه في عدم إجراء التصويت على بند "شهود الزور" حتى لا يفجر الحكومة ويثير أزمة سياسية مدمرة في البلاد. ألا يستحق هذا الموقف الحكيم والصائب والنبيل تقدير رئيس البلاد وحامي الدستور والحريص على وحدة لبنان؟ فبربكم كيف لنا أن ننتظر قيامة لبنان في ظل وجود زعماء سياسيين موتورين وفاشلين؟
وفي سياق الأزمة اللبنانية المزمنة نتطلع إلى عامل فقدان الثقة في الخارج بلبنان بفعل الزعماء السياسيين غير المبالين، إلاّ بمصالحهم الشخصية. والسؤال ماذا سيحصل، يا ترى، نتيجة هذه الانقسامات السياسية الحادة التي تؤدي إلى مخاوف المستثمرين جميعاً، وبخاصة أننا بدأنا نشعر بالخوف من تراجع الثقة والاستثمارات وتأثير الأوضاع السياسية المأزومة على الوضع الاقتصادي والمالي والسياحي والقطاع المصرفي. وبالفعل حكي عن تراجع كبير في الحركة الاقتصادية والسياحية هذه السنة. والمضحك المبكي ان كل فريق يحمل الفريق الآخر مسؤولية تعطيل الدولة ومؤسساتها وتأخير مصالح الناس الحياتية والحيوية، فيما المواطن المسكين المغلوب على أمره يدفع الثمن من حياته واستقراره وطريقة عيشه. فكفانا عنتريات وتهديدات وعرض عضلات. وليتذكر الزعماء السياسيون المسعورون الحرب، بل المأساة اللبنانية الماضية وما خلفته من ضحايا وتدمير للحجر والبشر وما زالت آثار تلك الحرب المشؤومة ماثلة امام عيوننا في بعض المناطق. فكفى التهويل بالحرب الأهلية والفتنة المذهبية وبالثبور وعظائم الأمور! ومن الأهمية بمكان أن نذكر الوضع النفسي الذي يعيشه اللبناني المقيم أينما ذهب. ولفتنا في أثناء وجودنا في الامارات كلام سيدة لبنانية زائرة كانت تتحدث مع قريبة لها في لبنان معبرة عن الأجواء المريحة والسلام والاطمئنان في دولة الامارات العربية المتحدة الشقيقة وكيف أن الشعب هناك يعيش في راحة بال ورفاهية ورخاء وطمأنينة وفي ظل نظام وقانون مطبقين بدقة وصرامة مقارنة بالوضع الهش والمخزي في لبنان حيث الفقر والقلق والفوضى العارمة في كل المجالات.
ومن مؤشرات الانقسام والضعف في لبنان، وبين الاطراف اللبنانيين انه كلما اطلقت جهة خارجية معينة او دولة مهتمة اي تصريحات او قرارات في شأن الوضع اللبناني الداخلي تهب العاصفة وتقوم القيامة وينبري الطرفان اللبنانيان المتخاصمان الى اطلاق الردود والشعارات اما المؤيدة او المستنكرة لتلك التصورات الخارجية. وآخر مثال على ذلك كلام المرشد الاعلى للجمهورية الايرانية الاسلامية آية الله علي خامنئي واعتباره اي قرار سيصدر عن المحكمة الدولية لاغياً، وكأنه لم يكن. وفي الموضوع ذاته كان لافتاً في هذا المجال كلام لنائب الامين العام لـ"حزب الله" الشيخ نعيم قاسم في مجلس عاشورائي "نحن كـ"حزب الله" نصرخ كثيراً لنحذر من خطر المحكمة على لبنان… نحن مرتاحون، نعرف اننا غير معنيين بالاتهام ولا بالادانة ورؤوسنا مرفوعة، واي اتجاه للمحكمة سينعكس سلباً على غيرنا وليس علينا". ففي ضوء هذا التصريح المطمئن والايجابي لمسؤول رفيع في "حزب الله"، لماذا كل هذه الضجة والتهديدات في شأن المحكمة الخاصة بلبنان وبالقرار الظني ما خض البلاد بأسرها من اقصى الشمال الى اقصى الجنوب ولم تهدأ العاصفة بعد عاكسة اجواء الخوف من فتنة مذهبية او من اعمال ارهابية او عسكرية تشمل اللبنانيين في الداخل والخارج. وفي ضوء هذه الصورة الملتبسة، نطالب ونتمنى على الغيارى والمهتمين والمخلصين والحريصين على استقرار ووحدته وسيادته لبنان، ايا كانوا، من اشقاء او اصدقاء أو حلفاء ان يكفوا عن التدخل في شؤون لبنان الداخلية وخصوصية تركيبته الفريدة ويرفعوا ايديهم عن كل ما لا يعنيهم، تاركين للبنانيين حل مشكلاتهم الخاصة.
ولا بد من الاشارة الى انه من غير المنطقي والمقبول اطلاقا اهتمام السياسيين بشؤون السياسة فقط ناسين قضايا الوطن الجوهرية والمصيرية وشؤون الناس الحياتية والمعيشية بكل جوانبها. وفي غمرة التطورات المؤسفة والاجواء الملبدة والسجالات العقيمة بين سائر الزعماء السياسيين من موالين للداخل والخارج كم نحن في حاجة الى الاسترشاد باقوال جبران خليل جبران التي تنطبق على واقعنا المأسوي ومنها: "ويل لامة تكثر فيها المذاهب والطوائف وتخلو من الدين"، "وويل لامة مقسمة الى اجزاء وكل جزء يحسب نفسه فيها أمة". من ناحية اخرى، استرعى انتباهنا كلام مهم جداً لسفير ايطاليا في لبنان في اثناء جولة له اخيراً في صور حض فيها اللبنانيين شعباً وطبقة سياسية على ان يكون بعضهم مع بعض لمصلحة لبنان، لأن بقاء الخلاف بين السياسيين يدفع المجتمع الدولي الى التخلي عنه". وهذا ما نخشى حصوله، لأن المجتمع الدولي لا شك في انه قد ملّ من محاولاته العديدة رأب الصدع وتقريب وجهات النظر بين السياسيين اللبنانيين.