#adsense

في تفاصيل.. الأوهام

حجم الخط

لا تهمُّ التفاصيل إلا لصنّاعها، ولا يهمُّ الناس في الإجمال إلا النتائج العريضة، البيّنة والواضحة التي تحمل تأثيراً حاسماً على شؤونهم.
وطالما أن تلك النتائج غير حاسمة، (رغم الوضوح الضاري في مواقف الممانعين) أو مغشّاة بألف طبقة صوتية وأكثر، أو غير واضحة من كثرة الألوان التمويهية التي ترمى فوق اللوحة الأصلية، لأهداف خاصة بفن "التفاوض والمساومة"، وطالما أن التبصير في الفنجان والركوة والطنجرة قائم وسارح مارح، ويكاد يصير هواية وطنية جامعة، عامة شاملة كاملة، وطالما أن خوف الساري مصدره العتم وغياب الضوء وشعاع النور، وطالما أن القلق صار صنو يومياتنا وهذه لا تكمل ساعاتها "الطبيعية" إذا لم يطلّ برأسه ذلك الضيف الداشر في أفئدة الناس وعقولهم مقيماً مستأنساً مرتاحاً ومنشرحاً…

.. طالما أن ذلك كله يشكل جزءاً من المشهد اللبناني الراهن، فإن لعبة التفاصيل تصبح واحدة من أبرز أدوات البلف والتمويه الهادفة الى تشكيل وتركيب نتائج ذات منحى مُحدّد وخاص، وإشاعتها بين الناس باعتبارها عامة وملكاً لهم!

من كثرة التفنن في ابتداع تفاصيل لما جرى ويجري وسيجري (؟) صرنا أو نكاد أن نصير، أسرى مرض الانفصام المألوف: نقيم على قناعات وحقائق آتية من منطق الأمور وبديهياتها ليس إلا، وفي الوقت نفسه كنا نفترض أن "التسوية" العتيدة تتزيّن لتُزفّ وتهلّ بأبيضها على سواد أيامنا.

والتوضيح واجب أعزائي المصابين بالانفصام. فالتسوية المذكورة ضاعت لأنها في عرف أهل الممانعة والمناتعة لا تعني (كما سبق الشرح والتعليل) إلا الإذعان التام لكل الشروط والمطالب الموضوعة أمام الرئيس سعد الحريري وفريقه.. وتلك الشروط والمطالب تلغي حكماً، عملياً ونظرياً، الحقائق والبديهيات الآتيات من صوب المنطق وضواحيه ونواحيه، وفي مقدم ذلك بطبيعة الحال، القرار الاتهامي والمحكمة الدولية.

ولأن فريق الممانعة والمناتعة كبّر حجره في هذا الشأن، فإن الآخرين غربيين وشرقيين ومتوسطيين، يأخذون ذلك الحِمل كما هو تماماً، وكما ينظر إليه ذلك الفريق تماماً وأكثر. وبالتالي فإن كل شيء (تقريباً) كان يمكن أن يكون جزءاً من نقاش هادف الى بناء سيبة مصالح مشتركة لا تغبن أحداً ولا تفطّس وطناً ولا تهلك مواطنيه، إلا ذلك المتعلق بالعدالة وآلتها التنفيذية.

دون ذلك السقف العالي الذي رفعه الممانعون المناتعون الغاضبون الى يوم القيامة، قبل غيرهم وأكثر من غيرهم ورغماً عن غيرهم! فإن حديث التسوية، أو التفاهم أو الاتفاق يظل معقولاً وسلساً وقابلاً للبلع والهضم والتمتع بلذائذه برغم الهيجان الانقلابي الذي فلت بالأمس(؟)
وبعد هذا يقال: لا تهمُّ التفاصيل فعلاً، ولا تهمُّ الفبركات والنتائج الموشاة بالأحلام والأوهام طالما أنها ستبقى كما هي: مُجرّد أحلام وأوهام ليس إلا!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل