#adsense

قصّة المسيحيين في العالم العربي

حجم الخط

لجوء المسيحيين العراقيين الى اقليم كردستان، وبهذه الاعداد الكبيرة، أمر يجب التوقف عنده، لتسليط الضوء بجرأة وصراحة وموضوعية، على المعاناة المأسوية التي تلحق بالمسيحيين في معظم الدول العربية، وفي شكل خاص في العراق ومصر والسودان، في محاولة لمعرفة ما اذا كان هناك مستقبل لهؤلاء في العالمين العربي والاسلامي من ضمن دول تعددية يتمتع فيها المسلمون بأكثرية طاغية، ام ان تجربة السودان في تقسيمه الى دولتين، احداهما مسيحية، هو الحل الذي لا بدّ منه لضمان بقاء المسيحيين في هذه الارض احراراً، يتمتعون بجميع الحقوق التي يتمتع بها المسلمون.

بداية، السؤال الذي يطرح نفسه، لماذا يلجأ المسيحيون بكثرة الى اقليم كردستان المسلم، وسكانه الاصليون، في اكثريتهم الساحقة مسلمون، في حين ان عمليات قتلهم وتدمير كنائسهم وبيوتهم تتم على ايدي مسلمين، والجواب على هذا السؤال يحمل بعدين، الاول منهما يتعلّق بمسلمي كردستان، وبحاكم كردستان، الذين على ما يبدو يفهمون الاسلام ويعيشونه خلافاً لفهم التكفيريين له، يأخذونه من افواه رجال دين متعصّبين موتورين لا يرون حلاً لخلافاتهم مع المسيحيين سوى بقتلهم او تهجيرهم من ارض يعتبرون انها ارض مسلمة ولا يجوز «شرعاً» ان يعيش عليها سوى المسلمين، اما البعد الثاني، المتعلّق بالمسيحيين، فهم بحكم تعلّقهم بأرضهم وبالعراق، وهم اولاً واخيراً سكانه الاصليون، يرون ان قربهم من مساقط رؤوسهم، وفي ظل نظام سموح وقوي في ذات الوقت، يجعل من حلمهم، بعودة سريعة الى قراهم وبيوتهم، سهل التحقيق، اذا تغيّرت ظروف العراق وقيّض للدولة المركزية ان تقبض بحزم على زمام الامور، ويكون في طليعة اهتماماتها انتزاع الفكر التكفيري من عقول الفريق المسلم المتشدد، دون فهم صحيح لحقيقة الاسلام، امّا العراقيون المسيحيون الذين يهربون الى سوريا ولبنان، ويلقون فيهما رعاية واهتماماً، الاّ انهم، وبسبب ظروف البلدين الاقتصادية والسياسية والديموغرافية يعتبرون سوريا ولبنان محطة استراحة واخذ نفس، في طريقهم الى بلاد الله الواسعة سعياً وراء الامن والحرية ولقمة العيش، والفرص المتاحة امام اولادهم.

* * * * * *
امّا في موضوع الاستفتاء الذي جرى في جنوب السودان، ذي الاغلبية المسيحية، لمعرفة ما اذا كان شعب الجنوب المسيحي يفضل الوحدة مع الشمال المسلم، ام يريد الانفصال والعيش في دولة مستقلّة، فان مواقف عديدة من قادة وسياسيين ومثقفين ومسؤولين، صدرت منددة بهذا الاستفتاء، معتبرة ان اسرائيل والولايات المتحدة الاميركية واوروبا، هي التي تقف وراء تقسيم السودان الى دولتين، وربما الى اكثر، كبداية الى تقسيم عدد من الدول العربية والاسلامية، قد يكون لبنان احداها.

مما لا شك فيه ان الوقوف امام حائط المبكى والبكاء على الاطلال، هما السمة الغالبة على العقل العربي، يتبنّاهما فترة من الوقت، وسرعان ما ينسى ممارستهما، بانتظار حصول هزيمة اخرى او نكسة او نكبة، والمسبّب حاضر ناضر: اسرائيل وأميركا، لا يقرأ، لا يتابع، لا يحلّل، لا يتبصّر بالاسباب التي ادّت، وسوف تؤدّي الى الكوارث، ولا يرى سوى النتيجة، مع ان الاسباب هي الاوتوستراد المشرّع امام التقسيم والانهزامات.

يتباكون اليوم على تقسيم السودان، ونسوا ان المسؤولين الذين توالوا على الحكم في الخرطوم، قتلوا مليوني شخص من شعب الجنوب، وجوّعوه، وسلبوا ثرواته وخيراته، ولم يشقوا طريقاً واحداً الاّ لدباباتهم ومصفحاتهم وآلاتهم الحربية، ليقهروا اهل الجنوب، ويحوّلونهم الى افقر شعب في العالم.

لماذا، يستنكرون اليوم استقلال جنوب السودان، ورقصوا بالامس مهلّلين لتقسيم الحبشة وسلخ اريتريا عنها، أليس لأن اهل الحبشة، يدينون بالمسيحية، واهل اريتريا بالاسلام.

هل يستطيع احد ان يذكّرنا بمسيحي واحد في الدول العربية جميعها، يتسلّم منصباً رفيعاً او حتى محترماً، وهل يعرفون ان اقباط مصر، وعددهم يصل الى حدود العشرة ملايين شخص، لا يحق لهم سوى بثمانية نواب، يعيّنون من قبل السلطة، وانهم لا يستطيعون ان يبنوا لهم كنيسة الاّ اذا هدمت اخرى.

حتى في لبنان، ألم يتعرّض المسيحيون المدنيون الابرياء الى تصفيات جماعية في عدد من المناطق لمجرّد انهم مسيحيون، وبعد اتفاق الطائف الذي اريد له ان يكون جسر العبور الى دولة عادلة وقادرة، ألم يتعرّض المسيحيون للتهميش والابعاد والسجن، وحرمت مناطقهم من الانماء المتوازن، وشتم البطريرك صفير وأهين وهوجم في اكثر من مرة.

انتفاضة 14 آذار، هي التي اعادت الروح الى المسيحيين، وهي التي اسّست لوحدة مسيحية – اسلامية شعبية، وهي التي عوّل عليها المسيحيون للعودة الى الدولة على الرغم من الصعاب والعقبات والعراقيل، واذا كانوا اليوم يجهدون للمحافظة على ارضهم ووجودهم، فمن باب الايمان بالحياة المشتركة مع المسلمين على قاعدة الاحترام المتبادل والاحتماء بالدولة، راعياً وحيداً عادلاً للامن والاستقرار والانماء والحريات العامّة.

المسيحيون في اي بلد عربي كانوا، أو حلّوا، هم قوم لا يستكبرون، ويطيب لهم العيش مع الاخر، واذا كفروا يوماً بالحياة المشتركة، فليسوا هم المذنبون.

المصدر:
الديار

خبر عاجل