سياسياً ودستورياً كان واضحاً تماماً ومنذ اللحظة الأولى ان استقالة الوزراء من الحكومة اللبنانية ليست اكثر من قفزة في المجهول.
صحيح ان هذه الاستقالة بدت وكأنها سباق اللحظة الاخيرة مع صدور القرار الاتهامي في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، بمعنى ان قوى المعارضة فضلت الاستقالة قبل صدور القرار المذكور، واياً يكن محتوى هذا القرار، ولكن الواقع الاعمق والابعد هو ان كل المحاولات والضغوط والتدخلات التي مورست لمنع صدور هذا القرار، الذي يقال انه سيعلن في خلال ايام، لم تنجح في تأجيله او إلغائه ولم تتوصل الى ما طالبت به علانية وهو الغاء المحكمة الدولية من الاساس.
ولكن ماذا في وسع استقالة من هذا النوع ان تفعل؟
اذا كان المقصود تعطيل الحكومة، فالحكومة معطلة بسبب المعارضة، منذ زمن بعيد، وهي عاجزة عن ان تجتمع وتقرر او تنظر في ركام هائل من الملفات الحياتية والاجتماعية والاقتصادية والادارية التي يفترض ان تعنى بشؤون الناس.
واذا كان المقصود ان ينزل القرار الاتهامي على لبنان وليس في البلاد سلطة تنفيذية مطلوب منها التنسيق والتعاون مع المحكمة الدولية. فمن المعروف اصلا انه لو استمرت الحكومة قائمة بقضّها وقضيضها، فإنها لن تتمكن من تنفيذ ولو مذكرة جلب واحدة قد تصدر باسم هذا او ذاك من الذين تطلبهم المحكمة الدولية، وخصوصا اذا كانوا من اعضاء "حزب الله". ولهذا يجب ان نتذكر ان المحكمة الدولية سبق في هذا السياق ان اشارت الى انها تستطيع ان تصدر احكامها غيابيا بحق الذين لا يمثلون امامها.
اما اذا كان المقصود تشكيل حكومة جديدة تقدم على ما لم تقدم عليه او بالاحرى رفضته حكومة سعد الحريري، فان الامر فعلا مجرد قفزة في المجهول، لان من الصعب جدا تشكيل حكومة من خارج مشاركة الحريري و14 آذار.
لماذا؟
❐ اولاً: لأنه ليس من السهل على اي رئيس مكلف جديد غير الحريري تشكيل حكومة جديدة ونيل الثقة في البرلمان، وهذا يعني ان الخروج من سعد الحريري رئيسا للحكومة هو وقوع في سعد الحريري رئيسا لاكبر كتلة برلمانية لها كلمتها المرجحة في البرلمان، بما يعني اننا سنبقى زمنا طويلا امام حكومة الحريري لتصريف الاعمال!
❐ ثانياً: وعلى افتراض ان المعارضة تمكنت من تشكيل حكومة جديدة، هل سيكون في وسع هذه الحكومة ان توقف بروتوكول التعاون بين لبنان والمحكمة الدولية، او ان تسحب القضاة اللبنانيين منها او ان تتوقف عن تمويلها؟
❐ ثالثاً: واذا كان 11 وزيراً اسقطوا الحكومة الراهنة، هل ستقلّ حصة الحريري و14 آذار عن 11 وزيراً في الحكومة المقبلة يستطيعون بدورهم اسقاط اي حكومة جديدة ومتى يشاؤون؟!
❐ رابعاً: هل تتصور قوى المعارضة المستقيلة من الحكومة الحالية، انها ستكون قادرة على تنفيذ ما طلبته تكرارا من الحريري، اي ان يتبرأ من المحكمة، فتقوم هي بالطلب من دانيال بلمار وجماعته باغلاق المحكمة الدولية واعتبارها وكأنها لم تكن؟!
❐ خامساً: لقد قيل الكثير عن المسعى السوري – السعودي لمعالجة الازمة في لبنان، ومن الواضح والمفهوم انه كان هناك مبالغات في الحديث عن هذا المسعى.
اما الآن وبعد وقوع الازمة واستقالة وزراء المعارضة فيمكن الحديث فعلا عن مساع حثيثة ستبذل لاعادة ترتيب الوضع وانتشال لبنان من حال الفراغ الذي قادتنا اليه خطوة المعارضة.
❐ سادساً: يقول الوزراء المستقيلون ان ما دفعهم الى الاستقالة هو عدم قدرة الحريري على تخطي الضغوط الاميركية التي حاولت تخريب المسعى السعودي – السوري، الذي لا يعلم احد ما هي بنوده وتفاصيله حتى الآن، فهل يظن هؤلاء انهم سيكونون قادرين على تخطي هذه الضغوط الاميركية وعلى دفع المحكمة في الاتجاه الذي يريدون؟
❐ سابعاً: ان استقالة الوزراء الـ11 من الحكومة تشكل اسقاطا عمليا لـ"اتفاق الدوحة" الذي نص على انه لا يجوز لأحد ان يعطل عمل الحكومة او ان يستقيل منها، ولكن المعارضة التي عطلت عمل الحكومة طويلا، عادت واستقالت منها، بما يعني اسقاطا عمليا لـ"اتفاق الدوحة" يسمح للآخرين غدا بان يستقيلوا هم ايضا من اي حكومة يظن المعارضون انهم ذاهبون الى تشكيلها.
❐ ثامناً: سواء كان في لبنان حكومة او لم يكن، فإن المحكمة الدولية ماضية في اعمالها، والقرار الاتهامي الذي يتردد انه سيصدر في خلال ايام قليلة لن يتأخر لان ليس في لبنان الآن حكومة بعد الاستقالة، وهو سيصدر ولو كانت في البلد حكومة تطالب بعدم صدوره.
امام كل هذا ماذا نكون قد فعلنا؟
لم نفعل شيئا حيال المحكمة الدولية، لكننا فعلنا الكثير من السلبيات حيال الوضع اللبناني العام وبازاء مطالب اللبنانيين المتراكمة على رفوف النسيان والاهمال.