طالعنا محبّو الوطن في زمن الوطن باستقالة من الوطن، وهم في الاساس مستقيلون منذ زمن لكنّهم لا يجرؤون على المجاهرة بذلك. هم كشمس تشرين التي تخجل بالظهور. استقالوا من الوطن يوم لم يكن هناك وطن، يوم استوطنوا في ساحات المجد وحوّلوها الى مواخير الذلّ والإذعان لإرادة السّوريّ الغاصب المحتلّ، وناصبهم الدّفاع عن هذا المحتلّ من كان يوما على فوّهة المدفع في مواجهة هذا المحتلّ.
صمدنا وقاومنا غطرستهم لكنّنا تنازلنا وما انكسرنا كرمى عيون الوطن، لكن هذه المرّة ليست كسابقاتها. لن ننكسر ولن نتنازل. لا دوحة إثنان ولا تقصير ولايات لرئاسات ولا إذعان لاستقالات. فالدولة موجودة بحدّها الأدنى، جيشها قائم ملزم بالدفاع عن سيادتها ومؤسّساتها الأمنيّة رابضة لكلّ أيادي الغدر والأكثر رئيسها يستعمل حكمته متى اقتضت الحاجة ليبقى لبنان.
إسمحوا لنا، نحن ما ركعنا تحت أزيز الرّصاص ودويّ القنابل وبقيت مقاوتنا الشريفة والمقدّسة، وهي وحدها التي أبقت الوطن الذي تنعمون بفيء أرزاته اليوم، هذا اللهم إذا كنتم ما زلتم ترون الأرز ولم تستبدلوه اليوم بشجر الذّمّيّة وورق العار بعد أن نزعتم عن كواهلكم ورق الغار لثقل أمانته التي لم تحتملونه يوما. كلّلّتم بالغار وعاركم أنّكم تخلّيتم عن الغار في أسواق فارس واستبدلتموه ببسط العار. ويحكم، التاريخ سيحكم وحكم التّاريخ أصدق من حكم العدالة التي تهابونها.
نعم، تهابون العدالة لأنّ أصابعكم أكلت أظافرها نار الحقد، تهابون العدالة لأنّ سيف العدالة أسقط تسويات الذلّ. أوهمتم النّاس بنجاح التسوية لكأنّ دولة الرئيس الحريري وفخامة الرئيس أمين الجميل وغيرهم من ذوي الشهداء قد باعوا دماء شهدائهم في أسواقكم البخسة. بئسكم، ما أسخف عقول من صدّقكم، لن نساوم، لن نهادن على حقّ دفعنا ثمنه شهادة مقدّسة ليبقى الوطن.
هذا الوطن الذي تنعمون بدفء شمسه وبسكينة نسائم حرّيّته. تتخلّون عن هذه كلّها فداء للعق أحذية داست على أعناقكم كحصى بحر أسود. نحن ما اعتدنا يوماً أن نحني رقابنا الا عندما نقبل القربان المقدّس أمام مذبح الرّبّ، وشركاؤنا لم يحنوا رقابهم الا وقت الآذان الكريم. بالله عليكم كيف لكم أن تعتقدوا يوما بأنّنا سننحني؟ إن انحنى الأرز يوما سنرفع رأسه بعنفواننا وبشهادتنا ولن ننحني.
هكذا كنّا وهكذا سنبقى، قوم إن عرف الإنكسار يوما كخمر الدّوالي ينحني أمام نار النشوة ليحني بدوره رؤوس الندم. تاريخنا يشهد على أعمالنا التي أسقطت من قاومنه لأكثر من خمسة قرون ومن قاومناه لأكثر من خمسة عقود ومن ما زلنا نقاومه لأكثر من خمس سنوات. فمقاوتنا اليوم تسترجع خماسيّات الماضي ولنا الشرف في أن نسترجع تاريخنا المشرّف في المقاومة.
لا، لا تخافوا من طنين النّحل فإنّه يبحث فقط عن الأريج لن يؤذيكم ما لم تتعرّضوا له. فهم اليوم يبحثون عن أريجهم الضائع ونسوا أنّ من ولاهم على ورداتنا اقتلع الورد وتنشّق كلّ أريجها بعد رحيله، فهو يترك لهم عبقًا واحدا لينشوا به أنوفهم.
نتعجّب من بعض النّاس اليوم المتوتّرين الذين يتساءلون عن المصير. لهم نقول القافلة تسير مهما بلغ عدد الفارين من وجه العدالة. فالدولة باقية لا محالة، والجيش سيّد نفسه ولن يرضى بأن يكون شاهد زور على ميثاق بيع الدّولة. أمّا نحن فحتما لن نرضى العبث بأمن دولة دفعنا ثمنها، أقلّ ما دفعنا احد عشر سنة من الإعتقال السّياسيّ والإضطهاد الفكريّ والجسديّ الذي وصل الى شرف الشّهادة. فدماء رمزي عيراني وفوزي الرّاسي وبيار بولس تضجّ في صميم عقيدتنا اليوم، تلك العقيدة التي عدنا فبنيناها مع الكتور جعجع على حبّ الدولة والتّضحية لأجل قيامها. العقيدة التي بنيناها على التضحية ليبقى ويستمر الوطن بفخر تضحيات جيشه الأبيّ، العقيدة التي بنيناها على الإنخراط في مؤسّسات الدولة لإنهاضها من رقاد الفساد الذي تتخبّط فيه بالفعل لا بالقول كمن يدّعي الإصلاح والتّغيير ويعقد الصفقات باسم زوجته وأولاده على حساب الدّولة.
لا عجب إن استقالوا من الدولة في زمن الدّولة، فهم مستقيلون منها قبل وجودها، لماذا؟ لأنّهم يسعون اليوم الى تغيير كيانيّتها وسرّ وجوديّتها، ويحاولون استبدال الكيانيّة اللبنانيّة بكيانيّة جديدة على قياس فكرهم الطائفي الضيّق وأيديولوجيّتهم الوحشيّة، ليثبتوا عن جدارة بأنّهم ذلك الوحش الأيديولوجيّ الذي يسعى بكلّ ما أوتي من قدرة على افتراس كيانيّة الدولة ووجوديّتها.
ألم يحن الوقت بعد لتتفتّح عيون من قبض الثلاثين من فضة فيعلق نفسه للمرّة الأخيرة على شجر التّين؟ ألم يحن الوقت بعد ليدرك كلّ اللبنانيين أنّ من يستقيل من الدّولة ليس أهلا بهذه الدّولة؟ فليبحث عن دولته خارج حدود دولتنا وليأخذ معه كلّ من يرفض الكيانيّة اللبنانيّة ويسعى الى استبدالها.
