مما لا شك فيه ان خطوة وزراء "8 آذار" بالامس عبر تقديمهم الاستقالة من الحكومة خطوة ديمقراطية ودستورية مارسها الوزراء المعنيون بموجب احكام الدستور واصول النظام البرلماني، وبغض النظر عن الشكل الذي بقي اعلاميا الى حين ورود كتب الاستقالة وفقا للاصول القانونية والادارية الى المراجع الرسمية المختصة تثبيتا لفعل الاستقالة وابلاغا بها لتتمكن المؤسسات الدستورية وفي طليعتها رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة من الانتقال الى المراحل الدستورية التالية. لكن، وفي قراءة سياسية للخطوة الدستورية لا بد من التوقف عند الاتي:
اولا: ان الاستقالة دكت اسفينا جديدا ونهائيا في نعش اتفاق الدوحة – ذاك الاتفاق الذي خرقته قوى "8 اذار" في اكثر من محطة منذ العام 2008 والى يومنا هذا بدءا بخرق التزام "حزب الله" وحلفائه بوقف استخدام لغة التخوين ضد الرئيس سعد الحريري وفريقه السياسي وحلفائه في "14 اذار" وصولا الى خرق التعهد بعدم الاستقالة او اعاقة عمل الحكومة.
ثانيا: ان استقالة وزير الدولة عدنان الحج حسين المحسوب على رئيس الجمهورية والمعتبر وزيرا ملكا شكلت الاثبات القطعي على الخديعة السياسية التي تمت هندستها منذ اتفاق الدوحة – وتكرست فعليا بعد ازمة تشكيل الحكومة الحالية عام 2009 على حساب نيل قوى "14 اذار" وثورة الارز الاغلبية النيابية اثر انتخابات 2009 البرلمانية – لانها اثبتت ان هذا الوزير لم يكن فعليا سوى لغم سياسي، لا بل قنبلة سياسية موقوتة قابلة لتفجير الحكومة من الداخل عند الحاجة وقد تحققت الحاجة بالامس. فذلك الوزير لم يكن فعليا الا من حصة "حزب الله" وقوى "8 اذار"، وقد الصق زورا برئيس الجمهورية الامر الذي نرى انه قد تكون له تداعيات معنوية وسياسية على صورة قوة وقدرة الرئيس ميشال سليمان في لعب دور الحكم التوافقي داخل الحكومة وفي المحطات المفصلية. وقد اثبتت استقالة الوزير عدنان الحج حسين ان هذا الاخير لم يكن وديعة من "حزب الله" لتقوية موقع الرئاسة الاولى بقدر ما كان زرعا مصطنعا ظاهره ولاء للرئيس وحقيقته تبعية كاملة لـ"حزب الله".
ثالثا: ان "حزب الله" وحلفائه في "8 اذار" قطفوا بالاستقالة ما كانوا قد حصلوا عليه عام 2009 لجهة الثلث المعطل. وهذا الثلث المعطل الذي لم يكن سوى حصان طرواده سياسي وحكومي يفسر الى حد كبير احد اوجه الشلل الحكومي وفشل تجربة حكومة الوحدة الوطنية، كونه كان السيف المسلط القابل لتفجير الحكومة في اي وقت. الامر الذي فرض نمط حكم وتوازنات داخلية في مجلس الوزراء صمدت بعض الوقت واثرت على فعالية العمل الحكومي، ولكنها بالامس انهارت لتفضح حقيقة هشاشة ما كانت عليه الحكومة في تكوينها وتوازناتها، ما يؤكد مرة جديدة النوايا الحقيقية للحزب وقوى "8 اذار" منذ الدوحة بابقاء سلاح نسف الحكومة في يدهم وقد استخدموه بالامس لانهم وصلوا الى حائط مسدود امام اصرار الرئيس الحريري وقوى "14 اذار" على عدم التنازل عن المحكمة الدولية وعن القرار الاتهامي.
رابعا: ان الاستقالة خطوة اولى باتجاه الانقلاب الذي لطالما تكلمنا عنه – وان كان مضبوطا الى الان مؤسساتيا ودستوريا وبقواعد اللعبة السياسية السلمية – لان قوى "8 اذار" و"حزب الله" على رأسها تود من خلال الازمة الحكومية السير في اتجاه تصاعدي يضع الرئيس الحريري وقوى "14 اذار" امام معادلة جديدة: اما الانضمام اليهم في الاطاحة بالمحكمة الدولية، واما عدم تسمية الرئيس سعد الحريري لتشكيل حكومة جديدة.
من هنا فاننا نحذر قوى "8 اذار"، وكما قال الدكتور سمير جعجع بالامس ان عدم تسمية الرئيس سعد الحريري لتشكيل حكومة جديدة سيؤدي الى الفتنة الحقيقية لان مثل هذا التصرف سيعني تحويل قوى "8 اذار" و"حزب الله" الازمة الحكومية الى ازمة نظام بفعل الانقلاب على نتائج الانتخابات النيابية لعام 2009 والاكثرية البرلمانية لمحاولة تركيب معادلات وتوازنات جديدة تضع لبنان على طريق المواجهة المفتوحة داخليا بين اللبنانيين وخارجيا مع المجتمع الدولي – بخاصة وان المعول لدى الحزب وحلفائه – على حد المواقف المعلنة وبعض الاقلام والنظريات المعلنة بالامس تشكيل حكومة مواجهة للمحكمة الدولية واسقاط للتفاهمات بين الدولة اللبنانية ومنظمة الامم المتحدة والمحكمة الدولية، وكأن لا مكان لقوى "14 اذار" ولا كلمة ولا رأي لهم في المرحلة المقبلة.
خامسا: في هذا السياق يحلو للبعض في قوى "8 اذار" الحديث بمنطق الغائي عن تشكيل حكومة تعكس انقلاب الاكثرية بما يفهم انها ستكون من لون سياسي واحد لصالح مشروع "حزب الله" وتحالفاته الاقليمية – متحدثين عن استشارات نيابية ستقلب المعادلات، وتأتي بشخصية سنية جديدة يتم على اثرها تشكيل حكومة مواجهة.
فردا على هؤلاء نؤكد بأن الاستشارات النيابية الملزمة التي نص عليها الدستور هي التي تقرر الشخصية التي ستكلف بتشكيل الحكومة العتيدة وليس ارادة فريق او قوى معينة مهما بلغ جبراوتها المسلح وغير المسلح. كما ان تشكيل الحكومة العتيدة لن يكون الا ثمرة استشارات نيابية ووطنية واسعة مع الجميع من دون استبعاد او ابعاد او الغاء اي فريق لبناني لان اي ابعاد لاي فريق سيزيد الاحتقان السياسي بين اللبنانيين، وسيؤسس اجلا ام عاجلا لحالات قهرية تولد مع الوقت انفجارا يؤدي الى تدهور الامور في اتجاهات لن تحمد عقباها، فضلا عن ان لا احد في لبنان قادر على الغاء احد ولو اراد ذلك كما ان لا احد قادر على تغيير النظام واللعب بالتوازنات مهما بلغت قوته المادية والسياسية حتى اشعار اخر.
سادسا: فليكن مفهوما لدى الجميع ولا سيما لدى الحزب وحلفائه من الان ان لا مجال للتعاطي مع قوى "14 اذار" وثورة الارز والرئيس سعد الحريري وفريقه السياسي في طليعتهم بمنطق الابعاد والاقصاء والالغاء والاستثناء والضغط والحشر في اي مرحلة من مراحل الحقبة المقبلة اعتبارا من اليوم والى حين تشكيل حكومة جديدة كما لامجال للتلاعب بموضوع المحكمة الدولية ولا مجال لتراجعنا قيد انملة عن ثوابتنا الوطنية ومبادىء ثورة الارز …
فالاستقالة مقبولة لدينا… وبغير اسف… وهي حق دستوري لا اعتراض لنا عليه، ولكن بعد ذلك فليحترموا قواعد اللعبة الديمقراطية والبرلمانية والدستورية بحذافيرها… وبخاصة فليحترموا الفريق اللبناني الاخر… لان سوابقهم في "8 اذار" و"حزب الله" وللاسف لم تكن يوما مشجعة وقد اتقنوا فن سياسة التهرب من الالتزامات على مدار السنوات وعند كل المحطات… فليحسبوها جيدا هذه المرة كما حسبوا جيدا خطوة استقالة وزرائهم… ان ارادوا فعلا الخروج من عنق الزجاجة…
