كتب أحد الجهلة الصغار على موقع العونيين مقالا بعنوان "جعجع… والكوكب الآخر". قرأت المقال وحزنت فعلا. (لقراءة المقال اضغط هنا)
حزنت ليس على تهجّم كاتب المقال على الدكتور سمير جعجع، لأن هذا التهجّم لا ينتقص من قدر من بقي رمحا شامخا في وجه كل محاولات الترهيب والتدجين والاعتقال …
إنما حزنت على الجهل المدقع الذي يقبع فيه زملاء يفترض أن يتمتعوا بالحد الأدنى من الثقافة السياسية، وهذا هو السبب الوحيد الذي يبقيهم في تبعيّتهم للنائب الدجّال ميشال عون.
ولمن تخونه الذاكرة لا بدّ من إنعاش ذاكرته ببعض الوقائع التاريخية، بدءا من واقعة ما حدث في الدوحة، لأنني شخصيا كنت موجودا وشاهدا على وقائع عديدة حصلت هناك، في حين أن كاتب المقال لا يعرف سوى ما لقّنوه إياه بطريقة ببغائية.
في مساء ذلك الثلثاء الشهير كان ميشال عون أيضا على أكثر من شاشة تلفزيونية يؤكد أن لا اتفاق، وهو أساسا كان يتمنى عدم حصول اتفاق لمنع وصول العماد ميشال سليمان الى سدّة الرئاسة. وكانت المفاوضات تجري على قدم وساق، وشهد ذلك الثلثاء 4 اتصالات بين القيادة الإيرانية، وتحديدا وزير الخارجية الإيراني، وبين ممثلي "حزب الله" في الدوحة. الاتصالات الثلاثة الأولى كانت تؤكد على ثبات إيران في رفض السير ببنود الاتفاق الموضوع. ولهذا كان الجميع في جوّ أن لا اتفاق… الى أن تبلغ مسؤولو "حزب الله" في الاتصال الرابع والأخير وجوب السير في الاتفاق.
هكذا استنفر أحد وزراء "حزب الله" محمد فنيش، واتصل بجبران باسيل وأيقظه من سباته قرابة الثانية بعد منتصف الليل، بعد أن كان باسيل نام وعمّه مطمئنين الى أن لا اتفاق، وبالتالي فإن حلم الرئاسة لا يزال ممكنا.
استيقظ باسيل مذعورا. طلبه فنيش على عجل الى جناح "حزب الله". أتى بالبيجاما والروب. كان منظره مهرولا في الرواق بين الأجنحة مثيرا للشفقة. وقف أمام فنيش فأبلغه الأخير: "تبلّغنا وجوب السير بالاتفاق. أيقظ الجنرال وأبلغه".
اسودّ لون باسيل. كيف سيبفعل ذلك والجنرال نام مرتاح البال؟ طلب إخراجا شكليا، فأبلغه فنيش: سنطلب من الوزير منوشهر متكي أن يتصل به ليبلغ الأمر.
سارع جبران لإيقاظ عمّه وتمّ إبلاغه.
هكذا علم عون بالاتفاق، والثابت الأكيد أن جعجع كان في الأجواء قبل عون.
وفي صباح الأربعاء، نزل عون متجهّم الوجه الى قاعة الفندق لتوقيع الاتفاق. بادره الصحافيون بالقول: مبروك جنرال.
فأجابهم بسخرية وتهكّم: "مبروك عليكم. أصبح لديكم رئيس".
وبالعودة الى كل المحطات التاريخية التي أظهر فيها عون بشكل لا يقبل أي التباس حقيقة كونه آخر من يعلم… وأوّل من يهرب، واقعة 13 تشرين الأول 1990. فقد أبلغه أكثر من وسيط أن القرار اتخذ بإسقاطه عسكريا وأن من الأفضل له أن يسلّم قصر بعبدا تجنبا للدماء ولسقوط ضحايا. لكن الجنرال العبقري بقي مراهنا حتى اللحظة الأخيرة أن الهجوم لن يتم وأن كل الأخبار لا تتعدى التهويل. لكنه كان الهارب الأول بعد حوالى 40 دقيقة على بدء الهجوم حيث لجأ الى السفارة الفرنسية في الحازمية تاركا وراءه ضباطه وجنوده يذبحون ويتم سوقهم الى سجون الذلّ السورية، كما ترك وراءه في القصر زوجته وبناته الثلاثة اللواتي لم يسأل عنهن.
أما في موضوع "التسوية" الأخيرة، فنحيل الكاتب الجاهل الى أرشيف تصريحات جعجع التي أكد فيها أنه لا يمكن لأي تسوية أن تتم وأن لا تنازل عن المحكمة الدولية وأن أي تسوية يجب أن تبحث في الداخل سواء على طاولة الحوار أو طاولة مجلس الوزراء، في حين أن أرشيف معلّمه عون ونوابه حافلة طوال أكثر من 3 أشهر بتصريحات عن إنجاز التسوية وعن أن جعجع لا يعرف شيئا!
وإنعاشا للذاكرة، من المفيد التذكير أنه وحين كان عون ينتظر مرسالا ما يخبره حقيقة ما يجري على صعيد المباحثات السعودية- السورية، كان يجري استقبال جعجع على أعلى المستويات في السعودية حيث أجرى رئيس الهيئة التنفيذية في "القوات اللبنانية" سلسلة مباحثات مع أرفع المسؤولين السعوديين…
واللبيب من الإشارة يفهم، مع اقتناعنا التام بأن بين الفهم صعب على زملائنا في الإعلام العوني…