فيما يقال ان استقالة وزراء المعارضة قد لبت حاجة حزب الله اولا ومن بعده "خوارج الحلفاء الى الظهور بمظهر المتحكم بالمفاصل السياسية الاساسية في البلد، يبقى كلام آخر على معنى اختيار الرابية مكاناً لهذا التفجير السياسي لا سابق له، خصوصا ان الوزراء الذين انساقوا وراء الاوامر ليسوا من الثقل الفردي. بمعنى ان احدا منهم لم يسأل من طالبه بالاستقالة "هل بوسعه معرفة ماذا بعدها"؟!
وما يثير السخرية الى حد الاشمئزاز من كلام بعض المعارضين على ان سعد الحريري لن يعود الى السراي، ان هؤلاء مجموعة متلقية اكثر منها صاحبة قرار ومعرفة، لاسيما ان قوى 8 اذار غير مؤهلة عدديا لان تسقط رئيس الحكومة في مجلس النواب، ولا هي قادرة على اكثر من قرع طبول الحرب، وشتان ما بين المعنيين الحقيقيين في معارضة رصينة تدرك ماذا تفعل (…) وبين معارضة مكرهة على الاحتكام الى الغوغاء والديماغوجية في وقت واحد!
في معلومات اوساط قريبة من الرابية ان رئيس تكتل التغيير والاصلاح النائب ميشال عون كان موعوداً بزيارة رئيس مجلس النواب نبيه بري يرافقه الامين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله بعد ظهر الثلاثاء الفائت، لاعطاء تحضيرات الاستقالة من الحكومة بعداً سياسياً وواقعياً يتجاوز ما تردد في كواليس الرابية من ان "مستثمر الدار في الرابية" منساق لوحده وراء فكرة الاستقالة، مع انه لم يفاجأ بعدم حضور بري ونصر الله اللذين اكتفيا بايفاد مساعدين طالما ان النتيجة المقررة والمنتظرة واحدة؟!
وفي معلومات الاوساط المشار اليها، ان "عون رفض تكذيب حدسه"، عندما ابلغ مقربين بينهم "الوزير الصهر" جبران باسيل انه يستبعد الحضور المباشر لبري ونصر الله. لكنه (عون) يفضل الافادة القصوى من المناسبة التي تكفل له شكلا انه صاحب قرار (…) وان بوسعه التصرف بالرصيد السياسي للمعارضة عندما يحين وقت تصفية الحسابات!
المهم في نظر العونيين ان المعارضة قد نصبت الرابية مرجعية سياسية قادرة على التصرف، مهما كان رأي خصومها بها. وهذا عائد بالضرورة الى رغبة في استباق الامور (…) وفي مقدمها قرار المحكمة الجنائية الدولية، على رغم معرفة عون وبري ونصر الله ان استقالة وزراء المعارضة لن تغير حرفاً في القرار المرتقب صدوره بين لحظة واخرى!
اما وقد استقال وزراء 8 اذار وتحولت الحكومة الى "سلطة تصريف اعمال"، هناك من يتحدث بصريح العبارة عن ان المعارضة قد وقعت في الفخ الذي نصبته لقوى 14 اذار بعد انقضاء زهاء خمسة اشهر على التلويح بالتوتير والتصعيد والتهويد والتخويف. وليس من ينس ما تردد عن المشروع الانقلابي وعن سيناريوهات وضع اليد على مؤسسات الدولة، في ظل استمرار السؤال عما اذا كانت من وسيلة لوقف مفعول القرار الدولي الذي يوجه اصابع الاتهام الى حزب الله في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وغيره من القيادات السياسية اللبنانية!
وبانتظار معرفة الناتج السياسي وغير السياسي لاستقالة وزراء المعارضة، ثمة من يعطي اهمية لتماسك قوى 14 اذار بالنسبة الى وحدة موقفها من التطورات التي كانت محسوبة بدقة متناهية مثل الحسابات التي لم تتوقف عند اسقاط الحكومة، حيث لا بد وان تدرك المعارضة مجتمعة ومنفردة ان "انفجار الاستقالة سيبقى بلا تأثير مباشر على مجريات الامور الداخلية (…) كما لن يعطي صك براءة لمن قد يكون متورطاً في جرائم الاغتيال كائناً من كان (…)
وازاء القرف السياسي المتمثل بتجاهل الواقع المحلي الصعب، لا بد من انتظار نقلة تصعيدية باتكال المعارضة على جماعاتها في الاتحاد العمالي العام وبعض النقابات ذات الطابع الحزبي- الجماهيري الموالي لحزب الله ولحركة "امل"، والا لن تؤثر الاستقالة الوزارية الجماعية للمعارضين في مجريات البلد، الامر الذي يفضح هزال قوى 8 اذار ويظهرها بلا حول ولا طول!
وفي المقابل، هناك من يؤكد ان المعارضة ليست غبية كفاية لتترك مناسبة شل الحكومة ومعها مجلس النواب من دون ان تستفيد من الصراع السياسي المرشح لان يصطبغ بالدم فور صدور قرار من جانب من يتطلع الى تصعيد جذري، والسؤال المطروح "هل ستصل المعارضة الى غاية اسقاط مفعول المحكمة الدولية"؟.
ونظراً لصعوبة الرد الحاسم على مثل هكذا سؤال، هناك من يجزم بان قوى 8 اذار قد اخطأت مرتين: المرة الاولى عند عدم قدرتها على الخلاص من حكومة جديدة لا بد وان تكون برئاسة سعد الحريري، اما خطأ المرة الثانية فيكمن بالتالي في عدم الاستعداد النفسي والشعبي لدى حزب الله لما يمكن ان يتضمنه قرار المحكمة الجنائية من اتهامات قد تطاول شخصيات بارزة في الحزب وفي احزاب حليفة اخرى تقلص دورها السياسي والشعبي في مرحلة ما بعد 14 شباط 2005، حيث شعر من له علاقة بالاحزاب المشار اليها انها بدورها "غير برئية من دم هذا الصديق"؟!