#adsense

قراءة موضوعية في التطورات: الجميع في مأزق

حجم الخط

البلاد تحت الصدمة لأن ما انتهت إليه الأمور من فشل للمساعي والمبادرات ومن تدهور سياسي مريع جاء مخالفاً للتوقعات ولمنطق الأمور. فالمسرح اللبناني كان أعد بعناية لاستقبال تسوية سياسية متكافئة أرسيت قواعدها ورسمت معالمها الاساسية في قمة بعبدا الثلاثية وتحت عنوان عريض هو " حفظ الاستقرار " ، الاستقرار السياسي المتمثل بحكومة الوحدة الوطنية والاستقرار الامني الذي يقتضي منع الفتنة بكل اشكالها ، وكلاهما من انتاج اتفاق الدوحة ويحظيان برعاية عربية واقليمية . وبلغت عملية التسوية مرحلة متقدمة جداً إلى درجة ان الانظار والاهتمامات تحوّلت إليها. وبعدما كان اللبنانيون يترقبون موعد صدور القرار الظني ، صاروا يترقبون موعد اعلان التسوية التي وحدها كفيلة باحتواء ومعالجة تداعيات أي قرار ظني ومنع الانزلاق إلى المجهول والفراغ والفوضى والفتنة .

فجأة ومن دون مقدمات انقلب الوضع رأساً على عقب وتطورت الامور بطريقة دراماتيكية ، فتم الاعلان عن نهاية غير سعيدة للمبادرة السورية-السعودية من دون ان يكون من مجال او احتمال لمبادرة ثانية بعدما اعتبرت وتم التعاطي معها على انها مبادرة الفرصة الاخيرة والوحيدة المتاحة للخروج من المأزق. ولذلك جاءت الصدمة قوية وسادت مشاعر الخيبة والاحباط . وبقدر ما كانت الآمال المعلقة على مبادرة الـ " س.س" كبيرة كانت الخيبة كبيرة وعميقة ومبررة . وربما يكون اللبنانيون على كل مستوياتهم السياسية والشعبية وقعوا في خطأ مزدوج : المبالغة في الاتكال على الخارج والرهان عليه حتى لو كان هذا الخارج شقيقاً، والمبالغة في التلكؤ والاهمال والتقصير في لبننة الحل والبحث عن تسوية داخلية ، وحيث من المفترض ان ينبع الحل من الداخل ويلقي الدعم والرعاية الخارجية ، لا ان يصاغ في الخارج ويملى على اللبنانيين…

الآن وبعدما وقعت الواقعة لم يعد مهماً تحديد المسؤوليات والجهة المسؤولة عن الوصول إلى هذا الاخفاق. الطرفان يتبادلان الاتهامات كالعادة : أحدهما يقول ان الطرف الآخر لم ينفذ ما عليه وما التزم به في التسوية المنجزة منذ شهرين ، والطرف الآخر يقول ان الدخول الاميركي على الخط عطل التسوية وأجهضها قبل ان تولد ، وان الطرف الآخر في لبنان لم يقو على مقاومة الضغط الاميركي والتحرر منه . وفي الواقع والحقيقة يتشارك الطرفان في تحمل مسؤولية ما آلت اليه الامور وما كان يجب ان يحصل، لأن اللبنانيين شبعوا تجارب صعبة وعصبية منذ خمس سنوات على الاقل، ولأن ما حصل في خلال السنوات الماضية كان كافياً لتتعلم منه القوى والقيادات السياسية فتتفادى السقوط في تجارب وافخاخ جديدة . والمسؤولية الكبرى تتمثل في ان الفريقين 8 و 14 آذار لم يبذلا جهوداً جدية لتقريب المسافات وتدوير الزوايا والبحث عن قواسم مشتركة وحلول وسطية وتقديم تنازلات متبادلة، وظل كل طرف متمسكاً بمواقفه وبقدر عال من التشنج والتوتر ، ومنتظراً الترياق من الخارج …

أما الآن وبعدما حصل ما حصل ، فإن نافذة الحلول لم تغلق بعد وتقع على عاتق السياسيين في لبنان مسؤولية استنباط الحل قبل فوات الأوان حتى لا نقع في المحظور ولا تعود الازمة إلى الشارع وتتفلت من ضوابطها. فليس من مصلحة احد حصول اختراق أو مس أو تدهور في الوضع الامني ، كما ليس من مصلحة أحد العودة إلى حكومات اللون الواحد . ومن مصلحة الجميع اليوم قبل الغد البحث عن حل والسعي إلى تسوية لأن التسوية حتمية وحاصلة لا محال طال الزمن أم قصر ، ومن الافضل الف مرة ان تحصل من دون عناء ودماء ودموع وتكاليف وخسائر فاللبنانيون تعبوا وقرفوا وسئموا الحرب والحروب وايضاً لأن الجميع يتساوون الآن في المأزق والاحراج وليس في وسع أي فريق ان يقول انه في مأمن وأمان وان الازمة ليست عنده وفي مكان آخر.

فالرئيس سعد الحريري في وضع لا يحسد عليه ، وفي صراع خيارات بين العدالة والاستقرارا وبين ان يلتزم الواقع الذي يضغط عليه ويحاصره . واذا كان الحريري اثبت عناداً وثباتاً في مواجهة ضغوط سياسية هائلة تعرض لها على امتداد اشهر ونجح في تعزيز زعامته ومكانته السياسية والشعبية داخل الطائفة السنية ، فإنه الآن أمام واقع جديد مغاير لا بد من أخذه بالاعتبار بعدما أدى هذا الواقع إلى خروجه من بيروت رئيساً للحكومة وعودته اليها رئيساً سابقاً للحكومة في سابقة لم يشهدها لبنان في تاريخه وكذلك يمكن ان يؤدي هذا الواقع إلى مفاجآت غير متوقعة وغير محسوبة .

وحزب الله الذي ربح معركة اسقاط الحكومة وهي معركة كانت سهلة عليه ، يواجه تحدي معركة تشكيل حكومة جديدة وهذه معركة صعبة . فإذا كان لا حكومة وحدة وطنية من دون سعد الحريري ، ولا حكومة جديدة من دون المكوّن السني الاساسي من مكوّنات الوطن ، فإن عملية تشكيل الحكومة محفوفة بالمخاطر والتحديات . وسيظل السؤال المطروح بعد الاستقالة الجماعية : ماذا عن الخطوة التالية ؟ وهل يستطيع حزب الله تجاهل الخصوصيات اللبنانية ويخرج عن التقاليد وقواعد اللعبة ؟ وهل يواصل تحركه من ضمن الأطر والمؤسسات الدستورية أم يلجأ إلى طرق ووسائل خاصة ؟ واذا استطاع تفادي مواجهة مع الداخل ، فهل سيكون بإمكانه تفادي مواجهة مع المجتمع الدولي ؟

مما لا شك فيه ان حزب الله هو الأقوى على الارض إلى درجة تتيح له حسم الوضع بالقوة ان اراد… ولكن ثمة اعتبارات وحسابات وعوامل اخرى محلية واقليمية ودولية يأخذها في الاعتبار وتجعل من اللجوء إلى القوة العسكرية دونه محاذير ومخاطر … المسألة عند حزب الله ليست في الحسم والقدرة عليه ، وانما في اليوم التالي والخطوات اللاحقة في وضع لبناني بالغ التعقيدات والحساسيات الطائفية والسياسية ، وفي وضع اقليمي ودولي مترابط الحلقات وقائم على توازن دقيق وهش …

رئيس اللقاء الديمقراطي النائب وليد جنبلاط هو الآخر في وضع دقيق واختبار صعب، هو الخارج من فريق 14 آذار من دون ان يلتحق بفريق 8 آذار ، المتموضع في منطقة وسطية قريبة من رئيس الجمهورية والواقف عند مفترق طرق وعليه اتخاذ قرارات دقيقة وصعبة … وليد جنبلاط الذي استطاع ان يحيّد نفسه لفترة لم يعد بامكانه تحييد نفسه اليوم. ورغم انه ليس أكبر وأقوى كتلة نيابية في البرلمان ، فإنه في المقابل الكتلة المرجحة التي ستحدد الاكثرية الجديدة وتضعها في هذه الضفة ام تلك ، ولكن وفي قراءة موضوعية يتبين ان اي خيار سيتخذه جنبلاط سيكون محرجاً له ولن يكون منسجماً مع نفسه فيه.

المسيحيون إلى اي طرف من طرفي الصراع انتموا هم في مأزق ايضاً . هم موجودون أو يوضعون في واجهة الصراع ويظهرون مع الاسف وكأنهم رأس الحربة في هذه المواجهة ولكنهم في الحقيقة هم على " هامشه " . هم توابع وملاحق، وآن الأوان للخروج من هذا الدور الثانوي والعودة إلى دور محوري واستقطابي … لا يمكن للمسيحيين ان يستمروا متفرجين على الصراع ويتصرفون على انهم غير معنيين بنتائجه او يمنّون النفس بقطف ثماره، لأنهم سيكونون من ضحاياه، ولا يمكن لهم ان يظلوا في الصفوف الخلفية لأن التسوية عندما يحين أوانها ستكون على حسابهم، وبدل ان تكون مناسبة لتعزيز وضعهم ودورهم ، فانها ستكون مناسبة لمزيد من التراجع والانكفاء…فالمطلوب منهم اتخاذ موقف الحياد الايجابي بكل ما للكلمة من معنى . فالتاريخ لن يرحمهم هذه المرة …

والمفارقة ايضاً ان القوى الخارجية موجودة في المأزق …
سوريا تدعم ايضاً المقاومة وتضعها في صلب استراتيجيتها وسياستها في لبنان إلى حد ان موقفها من الاطرف اللبنانيين يتحدد في ضوء موقف هؤلاء من المقاومة… ولكن سورية مهتمة ومعنية بالاستقرار السياسي والامني في لبنان، خصوصاً في ضوء ما حققته من انجازات ومكتسبات في العامين الماضيين بعدما نجحت في كسر طوق العزلة الدولية والعربية ، وفي تسجيل اختراقات نوعية ناحية تركيا والسعودية ، وفي اعادة تطبيع العلاقة مع لبنان بشكل عام ومع الطائفة السنية بشكل خاص. وفي اي قرار وتوجه لسوريا في لبنان فإنها توازن بين كل هذه الاعتبارات . استراتيجيتها ثابتة في انها لا تسمح بإضعاف المقاومة والنيل منها ، وتكتيكها واضح في انها مستعدة لترتيب الوضع والحؤول دون انفجاره بشروطها ووفق ما تراه مناسباً ، والا فإنها تجد نفسها في حل من مسؤوليتها والتزاماتها وتترك الوضع على سجيته وهي واثقة انه ليس باستطاعة غيرها لملمة الوضع وفهم التعقيدات والتفاصيل اللبنانية وكيفية التعاطي معها … وفي كل الاحوال تبقى دمشق ممراً اجبارياً إلى بيروت ويبقى مفتاح " التسوية " في يدها …

ايران تدعم من دون قيود وحدود حزب الله وتفتخر بانجازاته ونجاحاته ، وهو الذي يشكل للثورة الاسلامية الايرانية امتداداً وذراعاً في العالم العربي ومنطقة الصراع مع اسرائيل تحديداً. وقد أضحى لاعباً اقليمياً يتجاوز في دوره ووظيفته الحدود اللبنانية ، وبالتالي فإن ايران حريصة على هذه " الوظيفة الاقليمية " لحزب الله ولا تريد له ان يقع في فخ الاستدراج إلى المستنقع اللبناني الداخلي ورماله المتحركة التي من شأنها إضعاف حزب الله وتشتيت قدراته وحرفه عن دوره الاساسي . ولذلك فإن طهران تنخرط بصدق وجدية في جهود منع الفتنة وتثبيت الاستقرا الداخلي لأن لها مصلحة في ذلك …

السعودية تدعم حكومة الوحدة الوطنية برئاسة الحريري ولها مصلحة اكيدة في عدم وقوع الفتنة التي تطيح الحكومة والاستقرار وتؤذي مصالحها الحيوية في لبنان وتصيب بشظاياها السعودية والخليج … ولكن السعودية الباحثة تبعاً لذلك عن تسوية سياسية ، ليس في يدها مفتاح المحكمة الدولية ولا قدرة لها في التأثير على مسارها، كما انها تجد صعوبة في مجاراة سورية في دعمها لحزب الله في اشتراطه التسوية قبل القرار الظني…

اوساط حزب الله تعتبر ان أميركا واسرائيل قامتا بعملية منسقة لإحباط المسعى السوري-السعودي المدعوم ايرانيا لأن في اعتقادهم ان القرار الظني يشكل فرصة سانحة للوصول إلى حزب الله ومحاصرته من قبل المجتمع الدولي والنيل منه معنوياً وسياسياً ودبلوماسياً بعدما تعذر ذلك عسكرياً وأمنياً . وتضيف هذه الاوساط انه اذا كانت الولايات المتحدة واسرائيل مارستا تأثيراً ونفوذاً على مضمون القرار الظني وتوجهه الاتهامي ، فإن ما يمكن قوله ان الولايات المتحدة في يدها توقيت صدور القرار الظني وان التوقيت الاميركي مضبوط على الساعة الشرق أوسطية .

الولايات المتحدة هي الاخرى تواجه مشكلة ايضاً لأن القرار الظني سيف ذو حدين : من جهة يمكن ان يعطي اسرائيل غطاء لمهاجمة حزب الله في لبنان مستفيدة من الفتنة والتخبط والفوضى في الداخل اللبناني فيكون القرار الظني مفتاح الفتنة وتكون الفتنة مفتاح حرب اسرائيلية جديدة … ومن جهة ثانية يمكن ان يعطي هذا القرار ايضاً لحزب الله ذريعة للتحرك دفاعاً عن النفس والسيطرة على الحكم وعلى الوضع في لبنان . وكون ان حزب الله مدرك للهاجس الاميركي في سيطرته على الحكم وقلب الوضع فان باعتقاده ذلك قد يدفع واشنطن إلى مراجعة حساباتها قبل الاقدام على أية خطوة .

الجميع في مأزق … والجميع لهم مصلحة في التسوية والحل ، وبدأت بورصة أسماء المرشحين المحتملين لرئاسة الحكومة بالتداول في الصالونات السياسية والاعلامية فرغم ان قوى 14 آذار وتيار المستقبل تحديداً يقولان ان منطق الامور هو عودة سعد الحريري لرئاسة الحكومة العتيدة وانه المرشح الوحيد لهذا الموقع من قبلها فإن قوى المعارضة تقول ان كل الاحتمالات واردة ومفتوحة وهناك اسماء أخرى لها حضورها ودورها الوطني مرشحة ايضاً لموقع رئاسة الحكومة ومن ابرزها : نجيب ميقاتي وعمر كرامي وليلى الصلح ومحمد الصفدي وهذا شيء ايجابي ومطمئن يدل على العودة الديمقراطية لجميع القوى والاطراف للاحتكام للمؤسسات والقوانين ، وكذلك اذا كان من ايجابية لصدمة تعثر المسعى السوري – السعودي فهي ان الحل عاد لبنانياً والبداية تكون في إعادة انتاج حكومة وحدة وطنية تمثل كل شرائح الوطن وفئاته والاتفاق على بيان وزاري يبدد هواجس كل القوى والاطراف السياسية اللبنانية.

واخيراً اقول إلى اللبنانيين : اعتصموا بالأمل لتهزموا اليأس.
 

المصدر:
صدى البلد

خبر عاجل