لم يستوقفني في البيان الذي أذاعه وزراء "8 آذار" أي مقطع. فما تمَ أعلانه كان متوقَعا. لكنَ التشديد على عنوان الحرية والسيادة والأستقلال، في محاولة مشبوهة لأيهام الناس بأن "8 آذار" هي التي دافعت عن هذه الثوابت، هو ما جعلني أميل الى تظهير المشهد السياسي، لا بل الوطني، للأضاءة على الحقيقة المموَهة.
نبدأ أولا بألقاء نظرة سريعة على المفاهيم، فالحرية هي المساحة الواقعة خارج دائرة الوصاية، وما يقوم به أهل "8 آذار" هو بالتحديد "تجويع" الناس سياسيا لكي لا يبقى أمامهم سوى خيار وحيد هو العودة الى أكل "الكعك". أمَا السيادة، فهي بسط سلطة الدولة على كامل أرض الوطن، من دون أيَ مشاركة، والواقع أنَ دويلة المعارضة هي العاصية على قانون الدولة، ممَا يجعل السيادة منقوصة ومبتورة ووهمية.
والأستقلال يعني أن يرتفع فوق سطح الوطن علم لبنان منفرداً، وأن يعزف النشيد الوطني في المناسبات واللقاءات، وأن ترفع صورة رئيس البلاد وحدها فوق الأماكن. أمَا ما يتمَ مشاهدته في دساكر المعارضين، فهو إعلام جمهوريات غريبة وصور رؤساء وقياديين "أجانب" وعزف أناشيد بغير اللغة العربية. وبالتالي فما يعمل فريق "8 آذار" على ترويجه، أعني صيانة الحرية والسيادة والأستقلال، قد اغتالوه بممارساتهم وأعدموه بأدائهم "الوطني".
أمَا التهمة الثانية التي كالوها للفريق الآخر، فهي دسَ الشلل في جسم الدولة. في حين كانوا هم بالذات من مارس فعل تطيير جلسات الحكومة بشكل متكرَر، وقد أشاحوا بأبصارهم عن مصالح الناس وسدَوا آذانهم عن سماع مطالب الشعب بشرائحه كلَها. وكان غرضهم من ذلك تأجيج نقمة الناس وتأليبهم ضدَ دولتهم، كلَ ذلك لكي يتخَذ فريق "8 آذار" من هذه الحال المأزومة مبرَرا "شعبويا" لأستقالتهم المغرضة. هذه الأستقالة التي داست على تعهَدهم في مؤتمر الدوحة بعدم التعطيل، في مقابل تنازلات أضطر الى تقديمها الفريق السيادي حفاظا على ما تبقَى من أشلاء الوطن، وذلك تحت وطأة السلاح "الشريف".
من هنا، لا بدَ من التوقَف عند بدعة الحكومة التوافقية التي لم تنتج سوى الفرقة والخلفة. وقد أثبتت عدم جدواها، وأنَها حيثية هجينة لا يمكن الأفادة منها حتى لتمرير الوقت. لذلك، فإنَ القول باستعادة هذه التجربة يندرج في أطار الهذيان السياسي واستغباء عقول الناس، فالحكومة التوافقية هي في الحقيقة مقصلة النظام الديمقراطي. وأذا كان البلد "على كفَ عفريت" كما يحلو لبعضهم أن يصف واقع الحال، فقد آن الأوان ليقف السياديون الموقف الشمشوني، ويطالبوا بتطبيق حرفي للحكم الديمقراطي، فتتألَف حكومة من الأكثرية فقط عنوانها "عليَ وعلى أعدائي يا ربَ".