تصريف الاعمال لا يمنع الحكومة المستقيلة من ممارسة اختصاصات حفظ النظام وتنفيذ التزامات لبنان الدولية

الخبير القانوني المحامي جورج أبو صعب: بناء على الفقرة (ب) من المادة (69) من الدستور اللبناني اصبحت حكومة الرئيس سعد الحريري معتبرة مستقيلة بفقدانها اكثر من ثلث اعضائها المحدد في مرسوم تشكيلها، ما يعني ان الحكومة تحولت الى حكومة تصريف اعمال عادية بحكم الدستور والفقه والاجتهاد الدستوريين.

فتصريف الاعمال العادية مبدأ دستوري ينطوي على الكثير من الخصائص التي تجعل من المستحيل التسلح به بغية شل الحياة العامة والمرافق الحيوية في البلاد كما يحلو لبعضهم تصويره. وفيما يأتي تفسير ذلك:

اولا : تعريف تصريف الاعمال العادية:

ثمة مبدأ فقهي دستوري يقول بضرورة استمرار الادارة والمرافق العامة في الدولة، لأن غياب الحكومة لا يمكن ان ينعكس شللا على الحياة السياسية والمؤسساتية والاقتصادية والاجتماعية الملحة.

من هنا فان اي وزارة مستقيلة او معتبرة بحكم المستقيلة تبقى مولجة بتكليف من رئيس الجمهورية وبموجب كتاب يوجهه اليها – اثر قبوله الاستقالة او سيره فيها من دون سلطة له في قبولها او رفضها كما هي الحالة في ظل احكام المادة (69) من الدستور الحالي – "بتصريف الاعمال العادية او الجارية "EXPEDITION DES AFFAIRES COURANTES لحين تشكيل الوزارة الجديدة.

فالاعمال الجارية او العادية هي تلك التي لا تعرض مسؤولية الوزارة مجتمعة او الوزير المعني منفردا الى نتائج سياسية – لان الحكومة او الوزارة تحكم بثقة الشعب الممثل بالبرلمان – والحكومة المستقيلة تكون فاقدة لثقة البرلمان ما يجعلها غير قادرة وغير ذي صلاحية دستورية لتتخذ قرارات سياسية كما جاء في حكم مجلس الدولة الفرنسي في اجتهاد له عام 1966.(CONSEIL D'ETAT FRANCAIS – 22 AVRIL 1966 – FEDERATION NATIONALE DES SYNDICATS DE POLICE – ACTUALITE JURIDIQUE – 1966- P.355- CONCLUSION: Galmot) .

لذا، فإن الاعمال العادية او الجارية في مفهومها الدستوري العام هي تلك التي لا يمكن تأجيلها او ارجائها بانتظار حكومة جديدة حائزة على ثقة الشعب.

وهذا التعريف للاعمال العادية او الجارية يحتمل التوسيع او التضييق في التطبيق كلما ضاقت او اتسعت طبقا للحالات والازمات الحكومية والسياسية مدة الفراغ الحكومي بغياب حكومة جديدة. ما يعني ان كلما سارع المعنيون في تشكيل حكومة جديدة لتحل مكان المستقيلة كلما تضيق هوامش تعويم الحكومة المستقيلة او توسيع صلاحياتها لمواجهة ملفات وطنية ضاغطة وكلما طال تشكيل الحكومة كلما زادت واتسعت هوامش ممارسة الحكومة المستقيلة لصلاحيات دستورية لمواجهة اعمال طارئة او عاجلة او لا تحتمل التأجيل والانتظار.

ثانيا: مضمون الاعمال العادية وامكانية توسيعها دستوريا:

1- ثمة اعمال عادية تدخل في اختصاص وصلاحية الحكومة المستقيلة كونها لا تتطلب تحمل مسؤولية كبيرة في وقت. وفي المقابل ثمة اعمال خطيرة تعرض المسؤولية الحكومية للمساءلة السياسية فتمتنع الحكومة عن القيام بها كونها غير ملحة او تضطر الى اتمامها كونها طارئة وضاغطة لاسباب سياسية كمقتضيات الامن العام او سلامة الاراضي اللبنانية او التزامات العلاقات الدولية او الحرب الخارجية او لاعتبارات قانونية، فيما لو كانت الاعمال المطلوبة تستلزم اتخاذ اجراءات عاجلة تحت طائلة تهديد امن وسلامة الدولة او سقوط حقوقها او بطلانها او تجميد مصالح الدولة والحؤول دون سيرها. فتصريف الاعمال عكس ما يشاع ليس بالمبدأ الجامد الذي لا يحرك ساكنا في حال توافر ظروف في البلاد تستدعي تدخل حكومة تصريف الاعمال بغض النظرعن كيانها المستقيل وهذا ما استقر عليه الفقه الدستوري والاجتهاد الفرنسي (MARCEL LACHAIZE – L'EXPEDITION DES AFFAIRES COURANTES EN PERIODE DE CRISE MINISTERIELLE – DALLOZ- CH.HEBDOMADAIRE – 1952-P.65 ET SUIV.).

2- انطلاقا من الملاحظة اعلاه نستطيع بداية التأكيد أن تصريف الاعمال وان كان يحصر في العرف والفقه الدستوريين بالاعمال الجارية العادية اليومية الا انه وفي الوقت عينه يمتد ويتوسع اكثر عندما تتوفر شروط او ظروف استثنائية توجب حماية الدولة او صون حقوقها او حفظ نظامها العام او التزاماتها الدولية (كمثلا الاتفاقات والتفاهمات مع المنظمة الاممية بخصوص المحكمة الدولية )- وهذا ما يجعل مفهوم تصريف الاعمال يوصف بـ "النسبي" نتيجة الظروف والحاجات التي يتصف بها تحديد الاعمال العادية الداخلة في اختصاصات وصلاحيات حكومة مستقيلة او معتبرة مستقيلة.

3- في التاريخ الدستوري اللبناني سابقة دستورية معروفة اضطرت فيها حكومة مستقيلة الى ممارسة كافة اختصاصات حكومة دستورية عادية طوال فترة ازمة حكومية كانت الاطول في تاريخ لبنان، ونعني بالسابقة حكومة الرئيس المرحوم رشيد كرامه سنة 1969 حيث استمرت الازمة الدستورية التي تلت استقالة الحكومة سبعة اشهر متوالية اضطرت معها حكومة الرئيس كرامه المستقيلة الى ممارسة كافة اعمالها في السياسة الداخلية والخارجية وفي اصدار المراسيم وفي عقد اجتماعات مجلس وزراء لاتخاذ قرارات عاجلة.

ثالثا : اجتهاد مجلس شورى الدولة اللبناني تاريخ 17/12/1969

بمناسبة النظر في طعن مقدم من رئيس الديوان في المديرية العامة لوزارة البرق والبريد والهاتف ضد قرار الوزير المعني بنقله الى وظيفة رئيس الدائرة الاقليمية في بيروت – مستندا في طعنه على اعتبار انه وبما ان الوزير كان عضوا في حكومة مستقيلة فلا يجوز له اتخاذ مثل هذا النوع من القرارات بحق موظف اثناء الاستقالة لتجاوزه حدود صلاحياته المنحصرة بالاعمال العادية – اصدر مجلس شورى الدولة بتاريخ 17/12/1969 برئاسة الرئيس عبدو عويدات قرارا محوريا وجوهريا في الاجتهاد القضائي الاداري والفقه الدستوري حمل الرقم (614) وضع ركائز مبدأ ومفهوم تصريف الاعمال وعليه سنرتكز لتسجيل الاتي:

1- ان مبرر وجود نظرية تصريف الاعمال يأخذ اصوله من ان مسؤولية الحكومة تنتهي في الحالات المحددة دستوريا ومنها الاستقالة. تلك المسؤولية التي يؤدي زوالها في المطلق الى تحديد نطاق الاعمال العادية التي يوكل الى الحكومة المستقيلة تصريفها لان تجاوز هذا النطاق يؤدي الى قيام حكومة غير مسؤولة باعمال تخضع للمسؤولية ما يعني مخالفة الدستور واسس النظام البرلماني…

2- ضرورة التمييز في الاعمال العادية بين: الاعمال الادارية والاعمال التصرفية. فالاعمال العادية تنحصر مبدئيا في الاعمال الادارية اي الاعمال اليومية التي يعود الى الهيئات الادارية اتمامها وتصريف الاعمال الفردية التي لا يمارس عليها الوزير سوى اشراف محدود. بينما الاعمال التصرفية فهي التي ترمي الى "احداث اعباء جديدة او التصرف باعتمادات هامة او ادخال تغيير جوهري على سير المصالح العامة او في اوضاع البلاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية تحت طائلة المسؤولية الوزارية…".

3- الاعمال التصرفية تخرج في المبدأ وبطبيعتها من نطاق "الاعمال العادية" ولا يحق في المطلق لحكومة مستقيلة ان تقوم بها لان هذه الاعمال تلزم مسؤولية الحكومة امام مجلس النواب ما يجعل السماح لهذه الحكومة غير المسؤولة المستقيلة باجرائها يؤدي الى ضياع المسؤولية وبالتالي المحاسبة…

4- لكن اجتهاد مجلس شورى الدولة الذي نحن بصدده عاد واستثنى بعض التدابير والاجراءات من نطاق تصريف الاعمال العادية واعطاها بعدا دستوريا ومشروعا لحكومة تصريف اعمال (او حكومة مستقيلة) وهذه الاستثناءات كما جاء في قرار مجلس شورى الدولة نعرضها بحرفيتها كما جاء في القرار:

"… وحيث انه يستثنى منها التدابير الضرورية التي تفرضها ظروف استثنائية تتعلق بالنظام العام وأمن الدولة الداخلي والخارجي – وكذلك الاعمال الادارية التي يجب اجراؤها في مهل محددة بالقوانين… ان ما يبرر مداخلة الوزارة المستقيلة في هذه الظروف الاستثنائية ليس نطاق الاعمال العادية الموكول اليها تصريفها اذ ان تدابيرها تخرج عن هذا النطاق – وانما الحرص على سلامة الدولة وامن المجتمع وعلى سلامة التشريع وفي هذه الحالات تخضع تدابير الوزارة المستقيلة وتقدير ظروف اتخاذها اياها الى رقابة القضاء الاداري بسبب فقدان الرقابة البرلمانية وانتفاء المسؤولية الوزارية.
وحيث ان هذه الحدود والضوابط ترمي في غايتها الى الحرص على مصالح البلاد الحيوية من ان تهدر في فترة زوال المسؤولية الوزارية وهي حدود وضوابط يوفرها النظام البرلماني تأمينا لقيام الحكم الصالح السليم"…

ما يعني ان الاعمال التصرفية التي لا تقضي بها العجلة او المصلحة العامة لا يجوز لوزارة مستقيلة اجراؤها او اتخاذها عكس الاعمال الادارية العادية – بخاصة ان الحرص على المصلحة العامة وعلى استمرار المرافق العامة والحرص على المصالح المادية والسياسية والاجتماعية للدولة هي الاعتبارات التي تحكم النظرة الى تلك الاعمال.

خلاصة: فبناء على كل ما تقدم اعلاه نستطيع الجزم قانونا ودستوريا بأن حكومة الرئيس سعد الحريري المستقيلة منذ 13/1/2011 هي حكومة تصريف اعمال ادارية وعادية وجارية بمفهوم تصريف الاعمال العادية الذي صار شرحه اعلاه، فيما هذه الصفة لا تمنع حكومة تصريف الاعمال بناء على اجتهاد مجلس الدولة الفرنسي ومجلس شورى الدولة اللبناني واجماع الفقه الدستوري من اعتبار الحكومة المستقيلة والتي تتولى تصريف الاعمال صالحة ومختصة لتأمين استمرار المصالح العامة وحفظ النظام والامن في البلاد وحماية المصالح والمرافق العامة وتأمين استمراريتها، ومنها تلبية الالتزامات الدولية للدولة اللبنانية التي لا تتوقف باستقالة الحكومة كما صار شرحه اعلاه والتي يأتي من ضمنها تنفيذ التزامات التفاهم بين الدولة والامم المتحدة بموضوع المحكمة الدولية بالاضافة الى استمرار الحكومة المستقيلة صاحبة الاختصاص في اتخاذ كافة التدابير لحفظ الامن والنظام العام في الحالات الاستثنائية الطارئة والعاجلة ومنها انزال الجيش وضبط الاوضاع الامنية وفرض منع التجول وسواها من تدابير حفاظا على امن الدولة والنظام العام.

فتصريف الاعمال ليس فقط محصورا بالاعمال اليومية والعادية بل بات ينطوي على توسيع في المفهوم والحالات ليشمل اتخاذ قرارات وتدابير تعود لحكومات قائمة وعادية تأمينا لمصالح الدولة وصونا للنظام العام والالتزامات الدولية والامن الداخلي والخارجي على السواء.

من هنا ندعو المنظرين السياسيين الى التوقف عند الاجتهاد التاريخي لمجلس شورى الدولة وعند سابقة حكومة الرئيس رشيد كرامه المستقيلة سنة 1969 فضلا عن الاجتهاد الدستوري الفرنسي الثابت – وقاعدة امكان توسيع صلاحيات حكومة تصريف اعمال كي يدركوا انهم اذا ارادوا سحب وزرائهم من الحكومة لتحويلها الى حكومة مستقيلة الا ان ثمة قانون دستوري يجعل من الممكن ان تمارس هذه الحكومة صلاحيات واختصاصات تعود لحكومة مكتملة وعادية متى توافرت الظروف التي تجعلها صالحة لذلك ومنها تهديد امن البلد والنظام العام والعلاقات الدولية للدولة والتزاماتها التي تبقى فوق اي محاولة للعرقلة او الاسقاط بالاستقالات الجماعية المفقدة لثلث الحكومة طالما ان القانون الدستوري يبقي المبادرة في ايد الحكومة … المستقيلة …

وتبقى الاشارة الى ان الفقرة (3) من المادة (69) من الدستور ألزمت مجلس النواب "حكما" بانعقاده الاستثنائي اذ نصت الفقرة على انه "عند استقالة الحكومة او اعتبارها مستقيلة يصبح مجلس النواب حكما في دورة انعقاد استثنائية حتى تأليف حكومة جديدة ونيلها الثقة"… ما يحملنا على تسجيل الملاحظات السريعة التالية:

1- ان الانعقاد الحكمي لمجلس النواب يفترض انه حاصل حاليا ومنذ 13 كانون الثاني 2011 الامر الذي لم نلحظه الى الآن بدليل اقتصار اليوم الاول بعد الاستقالة بتحركات ونشاطات في عين التينة والقصر الجمهوري فقط بدل فتح ابواب البرلمان لنواب الامة بحسب النص الدستوري حيث مكانهم الطبيعي والدستوري.

2- ان قاعدة اعتبار الحكومة مستقيلة حكما تقابلها في النص الدستوري قاعدة اعتبار البرلمان منعقدا حكما – فكما ان بعضهم يستعجل اسقاط الحكومة وزوالها كذلك فاننا نستعجل جعل المجلس النواب في حالة انعقاد حكمي استثنائي منذ اول لحظة من اعلان استقالة وزراء "8 اذار" من الحكومة.

3- ان هذه الدورة الاستثنائية تبقى مفتوحة الى حين تشكيل حكومة جديدة ونيلها الثقة ما يعني ان مجلس النواب هو المرجع السياسي والدستوري الحالي لادارة الازمة وللسهر على الانتقال من حكومة الى اخرى فور تأليفها ونيلها الثقة.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل