#adsense

… وفي اليوم التالي – (بقلم أرزة بو عون)

حجم الخط

…وفي اليوم التالي استيقظنا. تأنّقنا. تعطّرنا. سمعنا ترتيلة، ثم فيروز، ثم زقزقة الحياة في صوت ريما نجيم، عبر راديو السيارة في الطريق الى العمل. في المكتب شربنا كالعادة النيسكافيه. قرأنا كالعادة الصحف، انما بنهم أكبر. تصفّحنا كالعادة المواقع الاكترونية انما بتركيز أشدّ. حلّلنا والزملاء كالعادة الحدث السياسي، وانصرفنا الى العمل.

هو اليوم التالي بعد اعلان سقوط الحكومة.

لم يتغير لون الشمس. أشرقت أكثر من العادة ونحن نريد المطر. وجوه الناس هي من أسبغت على الحدث بعداً آخر. القلق. عيون القلق ارتسمت بعنف فوق المعالم. طبيعي. من يحب يخاف، ومن يخاف يهرع لاحتضان وجه بلاده وقلبه، قبل أن يُهرّب منه وتبتلعه أمواج الغدر.
لم يتغير لون الشمس، ولن يحصل مهما حصل، لكن تغيّرت الحسابات. فُرزنا. انتهى الامر. صرنا نحن وهم. هم الاخر. هم الجحيم (كما يقول جان بول سارتر) فعلا الجحيم.

فعلوها. أسقطوا مؤسسة دستورية، من أجل مطالب مدمّرة لا دستورية. كنا نعرف بالطبع انهم سيفعلون. كنا ننتظرهم. ليست هنا القضية. لم تقف هنا أساسا. لكن المفارقة انهم لا يبالون. يسقطون بلادا. يحرقون أرضا. يدمّرون كيانا. لا يبالون. لا يتعبهم الدمار هو أسهل الحلول عندهم، لانهم لا يشاركون أساسا في العمران. ليسوا شركاء في الوطن. على الاطلاق. هم متواطئون عليه. وخصوصا وأولا ذاك الذي في الرابية…

فعلوها وأسقطوا آخر وريقات التين. فعلها الوزير "الملك". "طُلب" اليه بـ "تودد" شديد، وعبر الهاتف، أن "يحكّم" ضميره. "ضميره" كان هادئا عندما كان في القصر قبل ساعات قليلة، واعدا الرئيس انه لن يستقيل، على الاقل ليس قبل عودة الرئيس الحريري من السفر. فجأة دهمه صوت "الضمير" وأيقظه من "سباته"، وما ان أدار ظهره حتى وجه الطعنة للرئيس!! أوامر "السيّد" كانت أقوى من احترام رغبة سيّد القصر ورمز كرامة البلاد….

صباحات اضافية من دون حكومة. تلك الحكومة. بالمبدأ ليست الفكرة عاطلة. حسبنا اننا لن نعود نستمع الى تلك الاعجوبة المدعوة جبران باسيل، التي لا تتكرر الا كل أربعة او خمسة قرون على الاقل، ولا الى كذبات وصفقات شربل نحاس ايضا، التي لا مثيل لها الا في عالم الدجالين، وسنحاول بالتأكيد أن نجد صيغة عيش ما، لنتكيّف مع فكرة غياب هؤلاء النخبة التاريخية!

لكن مع رحيل هذه الحكومة، شيء آخر وُلد. لم يحسبوا له حسابا، ولم يتوقّعونه بالتأكيد. ولدت ثورة جديدة. لم تترجم بعد. لم تعبّر عن ذاتها بعد. هي حاضرة متحفُزة، تتنتظر اللحظة المناسبة لتعلن عن نفسها.

أسقطوا الحكومة، لكنهم عمليا هم الذين سقطوا. سقطوا على أبوابنا مضرّجين بالخيانة. نحن لسنا معهم ولن نكون أبدا. هم الاخر. صاروا كذلك بكل ما للكلمة من معنى وخطر. نحن مع المحكمة الدولية، ولو أسقطوا ألف حكومة بعد. لن نرى حكومة عما قريب. سنرى صدى الرعب الذي يتفشّى في شوارعهم، من صدى المحكمة الدولية. سنتحمّل كل شيء. كل التبعات. كل التهويلات. كل الضغوط. طوال عمرنا كنا أم الصبي ولم تتغيّر الاحوال. طوال عمرنا ونحن نواجه، ونصدّ الضربات الواحدة تلو الاخرى. لم يتغيّر شيء، الا مع اضافة حلوة أساسية كبيرة مهمة، وخطيرة على الاخر، صار لنا ومعنا حليف وشريك، يشاركنا نفس الهموم ويشاطرنا المشاعر الكبيرة اياها، ولو كان من غير طائفة.

لم يتغيّر لون الشمس، انما صار للشروق وللغروب الف معنى، لان الوقت صار محسوبا بالدقائق، لاعلان ثورة لبنان الجديدة… على المحتلّين الجدد.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل