الأصل عندما نبحث قضايا الوطن، ان نتكلم لغة المواطنة، لكن هل تساءلنا عن سبب التصنيف الطائفي الذي يسود خطابنا السياسي منذ مدّة؟
ان الدافع الأساسي وراء اعتماد ذلك التصنيف، انما يعود الى وجود حزب في لبنان احتكر تمثيل وقرار الطائفة التي ينتمي اليها، وجرّها الى مشروع عقائدي عابر لمساحة الوطن، ينطلق من طهران ولا ينتهي في بيروت وغزة، ولولا هذا المشروع المصبوغ طائفياً ومذهبياً، والمتناقض حتى العظم مع الصيغة اللبنانية المبنية على التنوع والتعددية واحترام الحريات والعيش المشترك، لما سمعنا بلغة التصنيف الطائفي التي تفرز ابناء الوطن الواحد بحسب اعتقادهم الديني، وهنا بيت القصيد.
نقول هذا الكلام، لكي نتخذ منه مدخلاً واساساً لمناقشة مشروع القانون الذي تقدم به الوزير بطرس حرب في 30/12/2010، والذي "يمنع لمدة خمس عشرة سنة بيع العقارات المبنية وغير المبنية الكائنة في لبنان بين أبناء طوائف مختلفة غير منتمية إلى دين واحد".
أولاً: نشكر الوزير حرب على الجرأة التي يتحلّى بها ولا سيّما في طرحه مشروع هذا القانون الوطني بامتياز، وهي تنم بالتأكيد عن غيرته على الصيغة اللبنانية الاسلامية – المسيحية الفريدة، وحرصه على وحدة البلاد؛ فقد تجرّأ على البوح بصوت عال ومن المنابر الديمقراطية والمؤسساتية بما خجل او رفض كثيرون من نواب المناطق اللبنانية المعنية اثارته والتعرّض له ولو في لحن القول!
ثانياً: ان مشروع القانون لم يأت من فراغ. فمنذ سنوات عدة، واللبنانيون يشعرون بوجود مخططات تتوسّل السلاح "المقاوم" والمال "الطاهر" لتغيير وجه لبنان عبر تغيير تركيبته المرتكزة على التعايش ونسف معطياته الديموغرافية والاجتماعية، من خلال التسلل المنظم نحو مناطق محددة حيث تُستملك أراض وتقام عليها المشاريع والمجمعات السكنية ذات اللون الواحد، من قبل فريق له مشروعه السياسي "الالهي" العابر للحدود، والساعي وراء انتاج اشكال جديدة من الحضور المناطقي، تبدِّل التوازنات الوطنية التي يستند اليها لبنان تاريخيا.
ونتيجة لذلك الاستيطان المنظم والمدعوم بمئات ملايين الدولارات "النظيفة"، بدأنا نشعر بالغربة في وطننا، بفعل التغيّر الملحوظ الذي طرأ على معالم بعض المناطق اللبنانية، مع نشوء دويلات مناطقية تنذر تركيبها الأحادية المستجدة بخطر ديموغرافي لا ينتظر سوى "التكليف الشرعي" لاعلان التقسيم رسميا، والحاق لبنان بالنموذج السوداني، المنسجم مع المشروع الاسرائيلي!
ونذكر على سبيل المثال لا الحصر، ما يحصل في منطقة جرود جبيل، اذ يجري العمل على ربط شيعة البقاع بشيعة منطقة جبيل، وهذا يعني اننا امام خط عسكري يربط سوريا بالبقاع بجرود جبيل وصولا الى الضاحية الجنوبية. وقد بدأ هذا الخط يلامس قرى كسروان ذات الوجود الشيعي الضئيل، مع محاولة الربط بينها وبين بعلبك. كما نذكر ما شهدته اخيرا بلدتي مرجعيون والبويضة جنوبا، من بيع آلاف الدونمات من الاراضي، في محاولة لصبغ المنطقة طائفيا بلون محيطها.
ثالثاً: ليست الديموغرافيا المسيحية وحدها التي يجب حمايتها، وان كانت الأكثر والاسرع تأثراً حتى الآن. فظاهرة بيع العقارات ليست حكراً على المسيحيين، بل تطال الدروز والسنة ايضا، وهاتان الطائفتان معنيتان ايضاً بالخطر نفسه وتحتاجان الى الحماية نفسها، ما يتطلب توسيع نطاق مشروع القانون ليشمل بحظره بيع العقارات بين طوائف الدين الواحد، بهدف حماية جميع الديموغرافيات اللبنانية -بما فيها الشيعية طبعاً- من محاولات سلخها عن بيئتها التاريخية.
فبالنسبة للدروز والمسيحيين: تتعرض بلدات حاصبيا وراشيا ومدينة الشويفات وصحرائها وساحل عاليه وسوق الغرب والشوف وبعض قرى المتن وجزين…لهجمة عقارية غير مسبوقة ادت الى تحول مساحات شاسعة من عقاراتها التابعة لدروز ومسيحيين الى مالكين "حزبيين" مموّهين ومكشوفين من الطائفة الشيعية ليسوا من اهل تلك المناطق الاصليين.
اما بالنسبة للسنة، فقد تحولّت مدينة صور من مدينة سنية الى مدينة شيعية في غضون 40 عاما تقريبا. ولن نذهب بعيدا، فها هي المناطق المعروفة على مر التاريخ بالاكثرية السنية في العاصمة بيروت، تتعرض لحملة اغراءات غير مسبوقة من قبل جهات محسوبة على "حزب ولاية الفقيه"، يتم على اثرها شراء اراض وعقارات وشقق يتغيّر مع استملاكها طابع المدينة واحيائها ليصبح "حزبيا – شيعيا" خالصاً.
ومن هنا، كان من المستغرب أن ينتقد المشروع نائبا بيروت تمام سلام ونهاد المشنوق، فهل فاتهما وضع اهل السنة الحالي في المنطقة التي يمثلانها، ولن نسألهم عن الوجود المسيحي فيها الذي اختفى؟! ألم يعلما بعد حجم النزوح السكاني السني من بيروت الى خارجها وتحديدا باتجاه عرمون وبشامون والدبية وجدرا… ألم يخبرهما أحد عن مدى التغيّر الديموغرافي المهول الذي يطغى على البيوت والعقارات المملوكة اصلا من السنة في البسطة والنويري وبربور والمصيطبة والباشورة ورأس النبع وبرج ابي حيدر وحي اللجا ومار الياس وعائشة بكار وغيرها من المناطق البيروتية الاسلامية السنية "سابقا"؟ وماذا عن الاوقاف السنية المغصوبة في منطقة الاوزاعي؟ فهل يحق لهما الاعتراض على هذا المشروع إن كانا حقاً يمثلان بيروت والمقعد السني فيها؟!
نعلم ان بعضهم يفاخر بعلمانيته ويشعر بالحرج اذا تحدّث باسم طائفته، لكن هل تعني العلمنة السكوت عن تشييع بيروت تماما كما يتم تهويد القدس، فضلا عن ضرب النسيج الاجتماعي اللبناني ونسف العيش المشترك؟!
رابعاً: ان مشروع الوزير حرب نابع في حقيقته من روح الدستور ومنسجم مع مبادئه، ولا يتعارض معه الا في الظاهر. فمما لا شك فيه ان المشرّع عندما نص على "أن أرض لبنان أرض واحدة لكل اللبنانيين، فلكل لبناني الحق في الإقامة على أي جزء منها والتمتع به في ظل سيادة القانون، فلا فرز للشعب على أساس أي انتماء كان"، كان ينظر الى الاحوال العادية والطبيعية، اي عندما تكون البيوع العقارية تتم بشكل عفوي ومتقارب بين ابناء مختلف الطوائف، فهذا عامل صحة، اما ان تتم الغالبية العظمى من هذه البيوع باتجاه واحد وفي مناطق محددة ولطائفة واحدة ولحزب فيها تحديدا له مشروعه المكشوف، فهنا الخطر بعينه.
ومن هنا فإن التذرّع بذلك النص الوضعي لرفض مشروع الوزير حرب، وعدم المبادرة الى تعديله او صوغ استثناء له، من شأنه ان يقضي على الدستور والعيش المشترك معا باسم الدستور، ويجعل من النظام اللبناني الفريد يعدم نفسه بنفسه!