كتب هشام ملحم:
أبلغت مصادر أميركية مسؤولة "النهار" ان الولايات المتحدة التي تراقب عن كثب وبقلق التطورات السياسية في لبنان، تريد ان توضح بشكل لا لبس فيه، ان مجرد تسمية شخصية سياسية من معسكر 8 آذار لتأليف الحكومة الجديدة كما توحي بذلك بعض الاصوات في الائتلاف الذي يقوده "حزب الله،"، سيعرض للخطر كل برامج المساعدات الاميركية للبنان، من اقتصادية وعسكرية، وسيقوض أسس الشركة السياسية بين البلدين".
وقالت ان الهدف الاولي لهذه "الرسالة" الاميركية هو الرئيس ميشال سليمان، وفي الدرجة الثانية سياسيون لبنانيون في مقدمهم النائب وليد جنبلاط، نظراً إلى اهميته في أي مشروع يهدف الى قلب المعادلة النيابية جذرياً.
جاء ذلك مع تأكيد مستشار الامن القومي كوم دونالن المشاركة الاميركية العميقة في المساعي الديبلوماسية لمعالجة الازمة في لبنان بما في ذلك الجهود "الفرنسية الهادفة الى تنظيم فريق دولي لدعم الحكومة اللبنانية لمعالجة القضايا التي تواجهها". وبعدما اشار خلال لقاء والصحافيين في البيت الابيض الى الاستشارات التي ستبدأ الاثنين في بيروت لتأليف حكومة جديدة، اضاف: "سندعم العملية السلمية في هذا المجال"، أي تأليف الحكومة الجديدة. ورأى ان اهداف "حزب الله" بالنسبة الى كشف حقائق اغتيال الرئيس رفيق الحريري وتحقيق العدالة "باتت عارية". وان الحزب سوف يواجه "وقتاً عصيباً وهو يحاول مواصلة خطابه السياسي كتنظيم مقاوم وهو يستمر في السير اتجاه تقويض حكومة تسعى بكل بساطة الى دعم الجهود الدولية للعثور على الحقيقة وتحقيق العدالة بعد اغتيال شخصية بارزة في البلاد".
وكانت مصادر اخرى في الكونغرس قد اوضحت لـ"النهار" ان بيانات التأييد القوية للرئيس سعد الحريري ودعم استقلال لبنان وعمل المحكمة الخاصة الصادرة عن عدد من النواب في اليومين الاخيرين مشروطة بالتزام لبنان القرارات الدولية وبوجود حكومة يرأسها الحريري او أي سياسي من أئتلاف 14 آذار. وقالت ان القيادات الجمهورية الجديدة في مجلس النواب تحديدا ستراقب عن كثب أكثر ما يجري على الارض في لبنان، وان بعضها سيعلق بسرعة – بصرف النظر عما تفعله ادارة الرئيس اوباما- مختلف المساعدات للبنان اذا تألفت في بيروت حكومة يسيطر عليها ائتلاف 8 اذار. وكان آخر بيان قوي في هذا الشأن قد صدر مساء الخميس عن النائب الجمهوري اللبناني الاصل داريل عيسى الذي سيرأس لجنة المراقبة الحكومية النافذة، إذ قال ان "حزب الله هو سرطان" على الجسم السياسي في لبنان، واتهمه بتهديد مصلحة البلاد بكاملها من خلال اسقاط الحكومة.
ونفت المصادر الحكومية المسؤولة بشدة ادعاءات سوريا ومعسكرها في لبنان ان الولايات المتحدة تدخلت لتقويض ما سمي الاتفاق السعودي – السوري، ونددت "بالشائعات التي تبثها سوريا" عن وجود خلافات بين العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبد العزيز والرئيس سعد الحريري بسبب عدم تنفيذ الحريري ما هو متوقع منه وفقا للرواية السورية. واضافت: "الحقيقة هي ان السعودية لم تطلب أي التزامات او تنازلات محددة من الحريري، والواقع هو ان السوريين هم الذين لم ينفذوا التزاماتهم التي نوقشت مع السعوديين". وأوضحت ان هذه الالتزامات شملت ترسيم الحدود، والغاء مذكرات التوقيف السورية في حق شخصيات لبنانية سياسية واعلامية قريبة من الحريري او تنتمي الى 14 اذار، ومعالجة مسألة السلاح الفلسطيني خارج المخيمات. وأشارت الى ان الرئيس السوري بشار الاسد رفض تنفيذ أي تعهد "واراد ارغام الحريري على التراجع".
وشددت المصادر على ان العاهل السعودي الملك عبدالله كان "منزعجا جدا من الرئيس السوري". واعترفت بأن المسؤولين لم يكونوا على علم بكل تفاصيل الاتصالات السعودية – السورية، وأنهم اطلعوا عليها كاملة خلال اللقاءات التي عقدوها مع الملك عبدالله وغيره من المسؤولين السعوديين في نيويورك في الاسابيع الاخيرة "ورأينا انها تتضمن عناصر ايجابية، خصوصا انها لا تشمل التخلي عن المحكمة الخاصة".
وكان واضحا ان المصادر الاميركية تشعر باستياء واضح من "هذه الشائعات التي يروجها السوريون، وتوجيههم اصبع الاتهام الينا وفي الوقت عينه الادعاء ان علاقاتهم جيدة مع السعودية. هذا غير صحيح، والحقيقة هي ان الملك عبدالله لم يعد يثق بهم".
وحين سئل المستشار دونالن عن قرار ارسال السفير روبرت فورد الى سوريا وهو قرار فسره البعض بأنه "مكافأة لسلوك سيىء" أجاب بأن وجود سفير أميركي في دمشق "يخدم مصالحنا" لأنه يعفي الحكومة الاميركية كلما أرادت التحدث مع السوريين من عبء ارسال وفد ديبلوماسي خاص الى دمشق، و"أردنا ان يكون لنا ديبلوماسي ذو خبرة وقوي ومتمرس بشؤون المنطقة، وأن يكون على الارض، ولذلك نحن لا نرى ذلك على أنه نوع من المكافأة للحكومة السورية. نحن نرى الامر على أنه يخدم مصالحنا لأنه يعزز قدرتنا على القيام بعملنا الديبلوماسي لخدمة مصالحنا".
ووضعت المصادر المسؤولة التي تحدثت معها "النهار" ما يسمى المبادرة الفرنسية في سياق المحاولات الرامية ليس فقط الى منع لبنان من الانزلاق الى العنف، بل الى انقاذ بعض العناصر المهمة التي كان يفترض ان تنفذ وفقا للاتفاق السعودي – السوري وخصوصا صون التزام المحكمة الخاصة وعدم ارغام اللبنانيين على الاختيار بين العدالة والاستقرار، ووفقا لصيغة "تحقيق مقدار من العدالة مع الحفاظ على الاستقرار". وأضافت: "للرئيس (الفرنسي نيكولا) ساركوزي علاقات وقنوات مفتوحة مع أطراف اقليميين ونأمل في ان تنجح مساعيه".
وكشفت المصادر ان من الدول التي سيحاول ساركوزي اشراكها في جهوده (التي من المرجح أن تشمل مؤتمرا دوليا حول لبنان) الى الولايات المتحدة ومصر والسعودية وسوريا، تركيا وقطر وربما دولا اخرى. وقالت انه في أسوأ الاحوال وحتى لو لم تؤد المبادرة الفرنسية الى تسوية مقبولة لدى مختلف الاطراف في المدى البعيد، إلا أنها في المستقبل المنظور يمكن ان تحقق ما حققته فترة الاتصالات السعودية – السورية، أي ابقاء الامل في لبنان في احتمال التوصل الى تسوية سلمية ومنع الوضع من الانفجار.
وتحدثت المصادر المسؤولة بخيبة ملحوظة عن عدم استجابة سوريا او عدم تقديرها أهمية سياسة الحوار معها التي اعتمدها الرئيس باراك أوباما فور وصوله الى البيت الابيض. ورأت انه كانت أمام الرئيس السوري أكثر من فرصة لفتح صفحة جديدة مع واشنطن للتحاور مباشرة مع أوباما في اتصالات هاتفية او في لقاء قمة لو تصرف بطريقة مسؤولة في لبنان والعراق وفلسطين. وتساءلت "اذا لم يستطع السوريون التعامل بايجابية مع رئيس مثل أوباما، فهل يفعلون ذلك مع رئيس جمهوري؟"
ولم تخف المصادر استياءها لأن الرئيس السوري غالى في مواقفه التي كان يدرك سلفا ان واشنطن لا يمكن ان تتسامح معها وتحديدا زيادة حجم تسليح "حزب الله" بصواريخ متطورة وبعيدة المدى بينها صواريخ من طراز "سكود" تم تدريب عناصر لـ"حزب الله" على استخدامها داخل الاراضي السورية.