في أحد مقالاته التي تنشرها صحيفة "نيويورك تايمز"، وصف روجر كوهين، سعد الحريري بأنه "هملت لبنان". وقال في تفسير هذه المقارنة الرمزية، ان الحريري يرئس حكومة وحدة وطنية "قد يكون بين وزرائها ممثلون عن جهات اشتركت في قتل والده".
وقد استعان المعلق الاميركي بشخصية "هملت" كي يعطي الانطباع بأن الشاب سعد الحريري يعيش بعض وجوه مأساة الامير الدانمركي الذي اضطرته الظروف الى القبول بالأمر الواقع وانما على مضض.
ولكنه في الحديث الخاص الذي نشرته "الحياة" الاسبوع الماضي، ابرز الحريري وجهة نظره بالقول انه وفى بالتزاماته في حين لم ينفذ الطرف الآخر ما وعد به.
وبسبب هيمنة سياسة الغموض التي رافقت تفاهم "س – س" حول طبيعة الدور المطلوب من السعودية وسوريا، فان تفسيرات النواب زادت الامر غموضا وتشكيكا.
وحول هذه النقطة بالذات انتقل النقاش العلني من الوزراء الى النواب التابعين للمعارضة ولـ14 آذار.
وتصدى وزير التنمية الادارية محمد فنيش (حزب الله) لتحديات الحريري، طالبا منه اعطاء الدليل على صحة انتقاداته لأنه – حسب علمه بمضامين الاتفاق – اصبحت الكرة في الملعب اللبناني. ولمح الوزير فنيش في احاديثه الى نقطة مهمة تتعلق بتحالفات الحريري التي تعتبرها قوى المعارضة عبئا على البلد وعلى الحل.
ومع انه برّأ "حزب الله" من اقحام هذا الشرط في مشروع التسوية، الا ان زوار دمشق المواظبين حذروا من سلبيات تحالف الحريري مع جماعة الكتائب والقوات اللبنانية وقرنة شهوان وحزب الاحرار. والثابت ان المطلب السوري كان يهدف الى تجريد رئيس الوزراء من دعم احزاب الموالاة التي تطالب بتطبيق الدستور، وبضرورة تفعيل البنود المتعلقة بسيادة الدولة وقراراتها الحرة. وترى دمشق ان تحقيق مطلبها يقتضي احياء الاتفاق الرباعي الذي تشكل في انتخابات 2005 اثناء حكومة نجيب ميقاتي. وقد ضم ذلك الاتفاق في حينه "حزب الله" وحركة "امل" وكتلة "المستقبل" ومرشحي كتلة وليد جنبلاط. ومن اجل انعاش ذلك الاتفاق، ترى سوريا ان ادخال التيار الوطني الحر (ميشال عون) في هذا النسيج السياسي، يمكن ان يعطل تأثير أمين الجميل وسمير جعجع ودوري شمعون، على مواقف الحريري.
وكان من المنطقي ان يرفض سعد الحريري هذا الاقتراح الذي رأى فيه تغييرا جذريا لقاعدة التوازنات السياسية التي رافقت عملية تأليف حكومة الوحدة الوطنية.
الانقلاب السياسي المفاجىء الذي انتج الازمة الحالية ارتبط بعاملين مهمين: اولا – عامل الخوف من احتمال اصدار مدعي عام المحكمة الدولية القاضي دانيال بلمار، قراره الظني يوم الرابع عشر من شباط المقبل، باعتباره ذكرى اغتيال رفيق الحريري ورفاقه. العامل الثاني مرتبط بالوضع الدولي ومدى تأثر سوريا بتداعياته، خصوصا ان الرئيس الفرنسي ساركوزي فشل في اقناع الرئيس باراك اوباما بضرورة الاستجابة لاقتراح الغاء المحكمة الدولية.
وتقول مصادر ايرانية ان زيارة الرئيس محمود احمدي نجاد للبنان، كانت تهدف في بعض جوانبها، الى تشجيع "حزب الله" على الغاء المحكمة. والثابت ان الحزب عرض على سعد الحريري الاقدام على هذه الخطوة بطريقة غير مباشرة. اي ان يصدر الطلب باسم الحكومة مجتمعة من اجل اعفاء الحريري الابن من الاحراج امام الرأي العام.
وكان من الطبيعي ان يرفض الابن ممارسة هذا الاختبار العسير لاقتناعه بأن الحكومة اللبنانية السابقة هي التي طلبت محاكمة المسؤولين عن اغتيال والده و22 شخصاً آخر. كذلك هو يعرف ان المحكمة الدولية الخاصة بلبنان انشئت تحت الفصل السابع، علماً بأنها المحكمة الدولية الاولى التي تحقق في "جريمة ارهاب". وقيل في حينه ان الأمم المتحدة لجأت الى القضاء الدولي لأن المؤسسات القضائية اللبنانية فشلت في محاسبة مرتكبي 44 جريمة ضد شخصيات سياسية ودينية وعسكرية. اضافة الى ان هذه المعطيات فإن مجلس الأمن تجاوز القضاء المحلي لاقتناعه بأن الجرائم التي تحدث في لبنان تهدد السلم الأهلي والدولي. لهذه الاسباب وسواها أصدر مجلس الأمن الدولي القرار 1757 (ايار 2007) والذي ينص على تطبيق احكام القانون الجنائي اللبناني الخاص بقواعد اجراء المحاكمات الارهابية والاجرامية. وهذا ما يفسر مشاركة قضاة لبنانيين وموافقة حكومة فؤاد السنيورة على دفع 49 في المئة من ميزانيتها.
بعدما نشرت مجلة "دير شبيغل" الالمانية ان عناصر من "حزب الله" ستتهم بارتكاب جريمة اغتيال الحريري وأوردت اربعة اسماء ممن ادعت انهم نفذوا العملية لحساب دولة خارجية، اصدرت قيادة الحزب تكذيباً قالت فيه ان المحكمة مسيسة، ولا يجوز الاعتماد على احكامها وحملت ايضاً على الذين يسربون الاخبار الملفقة بواسطة عناصر اسرائيلية – اميركية بهدف تلطيخ سمعة المقاومة الوطنية التي حققت انتصار تموز 2006.
وفي مرحلة لاحقة اعلن نائب الامين العام لـ"حزب الله" الشيخ نعيم قاسم بأن الحزب يرفض القرار الاتهامي الذي سيصدر عن المدعي العام الدولي دانيال بلمار. ولكنه عبّر عن تأييده لمساعي التسوية التي تقوم بها سوريا والسعودية.
في هذا الحين قام امير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، بزيارة طهران، بهدف رأب التصدع الذي افرزته خلافات اللبنانيين حول مهمة المحكمة الدولية. وسمع من المرشد الاعلى للجمهورية الاسلامية علي خامنئي، كلاماً يصب في مصلحة "حزب الله". قال ان اي قرار يصدر عن المحكمة سيكون "باطلاً ولاغياً".
وكان وصف خامنئي لقرارات المحكمة الدولية بمثابة حكم صدر عن أعلى هيئة يسترشد "حزب الله" بارشاداتها واحكامها. واعتبرته المقاومة مجرد حكم براءة يعفيها لاحقاً من كل ما يحمله القرار الظني. ولكن سوريا لم تكتف بتفسير الزعيم الايراني، وطلبت من الرئيس الفرنسي ساركوزي اقناع صديقه الرئيس اوباما بضرورة مراجعة موقفه المتصلب اذا كان فعلاً يريد النجاح لمهمة سفيره الجديد في دمشق روبرت فورد.
وفي رده على هذه الملاحظة، قال الرئيس الاميركي انه ينتظر صدور القرار الظني، وكيفية تعامل دمشق مع الوضع اللبناني المتوتر. كما ينتظر عودة وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون من الخليج لعله يتبين من اجتماعاتها مع بعض الحكام العرب المزاج العام تجاه ايران. ويبدو ان الرد الاميركي الغامض لم يعجب دمشق بدليل انها قامت بانقلاب سياسي اودى بحكومة سعد الحريري. وقد استبدلت شعار س – س بشعار س – ل (اي سوريا لبنان) بانتظار ولادة حكومة جديدة قد يكون رئيسها عمر كرامي او عبد الرحيم مراد… أو الفراغ. والسبب ان عدد الموالاة والمعارضة في مجلس النواب الجديد يكاد يكون متساوياً تقريباً ما عدا نواب يشكلون بيضة القبان.
والمؤكد ان الرئيس ميشال سليمان سيضع في حسابه سلسلة اعتبارات استجدت مع اعلان الانقلاب السوري بواسطة زعيم مسيحي طامح لانتزاع منصبه هو ميشال عون. وقد اختاره "حزب الله" خصيصاً لاطلاق البلاغ رقم واحد، للتخفيف من حدة المواجهة المذهبية، وحرصاً على احترام الزعيم السني سعد الحريري الذي روى للرئيس اوباما كيفية اقصائه عن كرسي الحكم، خلافاً لاتفاق الدوحة. كما روى له "فذلكة" الثلث المعطل الذي اعطي من حصة الغالبية بطريقة غير ديموقراطية وغير دستورية.
وفي هذا السياق المقلق، يتطلع اللبنانيون الى الخطوة الثانية التي ستقوم بها سوريا بواسطة حلفائها وحلفاء ايران. وقد تكون من نوع المغامرة العسكرية التي اقدمت عليها سنة 1976 بدعم اميركي وحذر اسرائيلي. خصوصاً ان الاحداث التي تلت قرار خروجها من لبنان، قد اقنعتها بأن هذا "الوطن الصغير" الذي يختزن مشاكل المنطقة، لا يمكن ان يحكم بـ"الريموت كونترول"، كما يتمنى الرئيس بشار الاسد.