"كفى بالمرء عيباً أن تراه
له وجه وليس له لسان"
الحضرمي
المنطق السلبي
قد يكون فقدان المنطق أو فقدان الحيلة أو الضعف البنيوي والفلسفي هي أهم أسباب اللجوء إلى المنطق السلبي لتحقيق الأهداف. وتتعدد الوسائل السلبية من إشعال حرب إلى اختطاف رهائن إلى قطع الطرقات وإحراق الدواليب إلى الاضراب عن العمل… الخ إلى منطق الاستقالة أو العمل على التعطيل من ضمن المؤسسات لمنع أي قرار أو إجراء إيجابي يفيد منه الجميع، لمجرد أنه قد يخدم سمعة الطرف الآخر، أو قد يمثل نجاحاً له يوضع في خانته.
في خلال لقاءاتنا كأعضاء في "تيار المستقبل" مع الرئيس الشهيد رفيق الحريري، كنا نتحاور معه عن منطق معارضيه يميناً ويساراً، فكان يقول لنا دائماً انه كان يتمنى لو أن لمعظم هؤلاء المعارضين مساهمة، ولو ضئيلة، من خلال فكرة أو عمل إيجابي، أو لو كانت لديهم أفكار إيجابية بديلة عن أفكاره لتولي الحكم، لكان تمنى مشاركتهم فيها، أو حتى التخلي لهم عن الحكم لعلمه ان البلد سيكون حينها على السكة الصحيحة. ولكن الواقع هو ان ما تمّت مواجهة الرئيس الشهيد به هو جملة من عمليات التعطيل على سبيل الابتزاز من بعض شركاء الحكم، وجملة من الحملات السلبية ممن كانوا خارج الحكم.
السلبية في مواجهة الايجابية
لن أعود بالذاكرة الآن إلى شرح تفاضيل التعطيل السلبي لكل ما حاول القيام به الرئيس الشهيد خلال وجوده في الحياة العامة في لبنان، وعن دور سلطة الوصاية، وقوى الأمر الواقع، والقوى النيابية والقوى المحلية والطائفية وغيرها في فرض قيود سلبية على كل الأعمال الإيجابية التي حاول إنجازها في حياته ولكنني سوف أطرح بعض الأمثلة:
في أثناء الحرب الأهلية الطويلة، حاول الرئيس الشهيد الدخول إلى مدينة طرابلس من باب الإعمار وإزالة آثار الحرب عن طريق ورشة لشركة "اوجيه"، فما كان من القوى المحلية إلا أن منعته من العمل مشترطة أن يكون تحت رعايتها وإلا فإنّ كل شيء سوف يتعطل عن طريق البلطجة، وهكذا تأجل إنماء طرابلس لعقود.
في بدايات حكم الرئيس الشهيد وأثناء سعيه إلى بناء مستشفى بيروت الحكومي الجامعي، وهو مشروع لخدمة الجميع، هدد البعض يومها بالحرب إذا لم يعط مَن احتل الأرض المخصصة لبناء المستشفى تعويضات مضاعفة عما لا يستحقونه أصلاً.
قبيل بطولة آسيا لكرة القدم، سعى الرئيس الشهيد إلى إنشاء ملعب بمواصفات عالمية في قلب طرابلس حتى تستضيف المدينة جزءاً من فعاليات هذه الألعاب، فاعترضت القوى السياسية المحلية لمجرد أنها لا تريد الحريري أن يدخل المدينة حتى عن طريق البناء لأنه "يصعب بعدها إخراجه منها". وهكذا بني الملعب على أطراف المدينة، التي لم تستفد أبداً من حركة الدخول إلى الملعب لحضور المباريات.
الطامة الكبرى أتت مع إنجاز مشروع "باريس2" الذي كان يهدف أساساً إلى دفع الاقتصاد والمالية في لبنان إلى توجيه إيجابي كان من الممكن أن يخفف مسار الدين العام، وكانت بنوده مسائل متفق عليها حتى ضمن حكومة الرئيس سليم الحص حول الخصخصة والضرائب. قرر رئيس الجمهورية اميل لحود وفريقه السياسي والاقتصادي والأمني، وداعموه الاقليميون ان يجهضوا مفاعيل هذا الانجاز الانقاذي أو يعيقوه لمجرد أنه سوف يسجل في خانة النجاحات الحريرية ويدعم موقعه الوطني والدولي. وكانت النتيجة ان هذا التصرف الكيدي، والذي كانت من تداعياته عملية اغتيال رفيق الحريري، ادى إلى فقدان فرصة نادرة للانقاذ.
السلبية المستمرة
بعد 14 آذار 2005، وبعد خروج عامل الوصاية الذي كانت تمارس من خلاله الكثير من عمليات التعطيل والابتزاز، دخلت قوى 8 آذار، بعضها لأول مرة، في الحكم. وفي الوقت الذي كان بعض قوى 14 آذار يرى في ذلك عاملاً إيجابياً لبدء عملية بناء يشارك فيها جميع أطياف الوطن، كان هدف 8 آذار منذ البداية أن تدخل كعامل معطل لكل مسار إيجابي قد يسجل في خانة قوى 14 آذار لأن أي نجاح كان يؤكد ان الوضع الذي كان قائماً في السابق هو السبب الرئيسي في إعاقة التقدم السياسي والإنساني والاقتصادي في لبنان. كما ان التوجه السلبي لقوى 8 آذار كان يسعى دائماً إلى الإيحاء بأنّ العودة إلى سنوات الوصاية ومعادلاتها العجيبة الغريبة هو السبيل الوحيد لتأمين الاستقرار للبنان.
ويكفي أن نتذكر كيف تعاملت هذه القوى باستخفاف وتشفٍ مع مسلسل الاغتيالات والانفجارات التي كانت تتصيد اللبنانيين لمجرد أنها تخدم اهدافها السياسية.
ومنذ شهر كانون الأول سنة 2005، وبعد اغتيال الشهيد جبران تويني، وعندما طلبت حكومة الرئيس فؤاد السنيورة إنشاء المحكمة الدولية، تحولت سلبية 8 آذار إلى منطق واحد موحد مع حلفائها الاقليميين وهو كيفية منع إنشاء المحكمة الدولية.
فكان كما نذكر احتلال وسط بيروت، واستقالة الوزراء، وأعمال الشغب المتنقلة، والاعتداء على المواطنين، مع استمرار عمليات الاغتيال وتعطيل مؤسسات الدولة من ضمنها مجلس النواب، إلى ان جاء اعتداء السابع من أيار "المجيد" الذي توّج التوجه السلبي لهذه القوى فارضاً اتفاق الدوحة الذي جعل من القدرة على التعطيل السلبي جزءاً من المعادلة الحكومية لشل أي حكومة مقبلة إذا لم ترضخ لشروط اللعبة التي فرضتها القوى المحلية والاقليمية.
واليوم، وبعد المسار التعطيلي الذي مارسته قوى 8 آذار في الحكومة المستقيلة على مختلف المستويات يجب ألا نستغرب الوجوه المبتسمة للوزراء المستقيلين الذين اعتبروا ان هذا التعطيل هو "انتصار" كبير لهم في سجل السلبيات المستمرة لهذا المسار "المظفّر".