حين يستكمل الرئيس ميشال سليمان مساء غد احتساب اصوات النواب ونتيجة الاستشارات النيابية الملزمة لتسمية رئيس الحكومة المكلف تشكيل الحكومة الجديدة، سيكون ذلك اعلاناً رسمياً لنشوء ربط النزاع الكبير بين "الانقلاب الدستوري" الذي دحرجته قوى 8 آذار مع اسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري وبين المحكمة الدولية سواء أعيد تكليف الحريري أو سميت شخصية سنية أخرى لهذه المهمة.
والواقع ان قوى 8 آذار وضعت نفسها والازمة برمتها في متراس متقدم جداً باتت معه، سواء كانت مرغمة أو مختارة، على المضي ابعد في سابقة تلو السابقة، لان اي توقف او تراجع او جمود في هذا الاندفاع سيرتد سلبا عليها، وان كان خصومها قد لا يفيدون منه حتماً.
فسابقة اسقاط الحكومة باستقالة الثلث زائد واحداً، من شأنها ان تتبخر غداً مع اعادة تسمية الحريري، ولو ان ذلك لن يكفل لرئيس الحكومة العائد فرش طريقه بالرياحين لتشكيل الحكومة الجديدة. وبذلك يغدو اقل المتوقع ان تندفع قوى 8 آذار الى استجماع غالبية جديدة تنقلب فيها على غالبية انتخابات 2009 لتسمية شخصية سنية اخرى وتكليفها رئاسة الحكومة التي ستناط بها حصراً مهمة انقلاب لبنان الرسمي على التزاماته حيال المحكمة الدولية. وستكون هذه السابقة الثانية الصاعقة التي ستسلك معها قوى 8 آذار، ان هي تمكنت من تحقيقها، طريق فتح لبنان على مسالك الالتحاق بالدول التي تخوض مواجهات داخلية – داخلية وداخلية – خارجية مع المجتمع الدولي، مع كل يرتبه ذلك عليها من محاذير وأثمان ومخاطر.
اما الحالة المعاكسة، مع اعادة تسمية الحريري رئيساً مكلفا، فلا تقلل حجم التداعيات بطبيعة الحال ما دامت مواجهة المحكمة ستكون السيف المصلت على هذه الخطوة والحصار الذي سيضرب على لبنان لمدة غير منظورة، ولكن الفارق الوحيد سيتمثل في فتح الأزمة المفتوحة أصلاً على كل مسارب المفاوضات العربية والاقليمية والدولية المحمومة في بلد سيعاود تجرع كأس شلّ الدولة وسائر مؤسساتها مع كل ما يحمله ذلك من شرور المفاجآت المركونة هنا وهناك، سياسياً واقتصادياً، وحتى أمنياً.
هل معنى ذلك ان قوى 8 آذار قد تمضي الى المحظور الكبير بإسقاط تسمية الحريري وتشكيل حكومة اللون الواحد؟
هذا الخيار بدوره، وان كانت مؤشراته تلوح بقوة. يرتب على قوى 8 آذار ما يفترض ان تدركه سلفاً من محاذير الفخاخ. ذلك ان ثمة فارقاً كبيراً بين سابقة اسقاط الحكومة وسابقة اخرى استتباعية قد يكون مستحيلا على هذه القوى هضمها ان هي مضت في الانقلاب الدستوري والسياسي، فبإسقاطها الحكومة شاءت قوى 8 آذار قطع دابر "التعايش" مع تجربة مماثلة لحكومة الرئيس فؤاد السنيورة الاولى التي لم يسقطها انسحاب الفريق المعارض منها آنذاك، كما شاءت توجيه ضربة استباقية للقرار الاتهامي للمحكمة الدولية.
اما في خيار حكومة اللون الواحد، فالعنوان الاقليمي سيعود طاغياً ساحقاً على مجمل الازمة الى حد قد لا يفيد منه حتى الطرف الداخلي المبادر الى الانقلاب، بمعنى ان اي حكومة من لون واحد تستأثر بها قوى 8 آذار سيعني بكل بساطة وتعقيد في آن واحد، عودة العصر السوري ونمطه في تشكيل الحكومات ما بين 1991 و2005، ولو هذه المرة ممزوجاً بالنفوذ الايراني ايضاً.
ولكن لا سوريا ولا ايران ستكونان في مواجهة تفاعلات الداخل اللبناني، القادر في اي لحظة على قلب الازمة الى بؤرة يستحيل معها ضبط المضاعفات. ولا سوريا ولا ايران ستضمنان في المقابل حصر اضرار المحكمة الدولية على حلفائهما بمقايضات دولية – اقليمية موعودة ان هما دفعتا لبنان الى خطر حصار دولي عليه.
ولعل نقطة الاثارة المطلقة تكمن هنا تماماً، في ما كان يسمى في عصر الوصاية السورية "كلمة السر". وعلى مشارف ساعات من استشارات ستفضي الى بداية ظهور رأس جبل الثلج مساء غد، قد يكون هناك اكثر من "جوهرجي" داخلي وخارجي لوضع "ترتيبات" مرحلة الصراع الانتقالي مع المحكمة.
واذا كانت الانظار مشدودة الى "الاصوات الذهبية" لتكتل النائب وليد جنبلاط لحسم وجهة الاستشارات، سيتعين على اللبنانيين غداً ان يطلوا على المقلب الآخر "للانقلاب الدستوري" وما اذا كان رعاته الكبار ازالوا الضوابط له ام كبحوه عند حدود حافة الانهيار التي يقف امامها لبنان.