عندما تتحدث المعارضة عن ضرورة التوصل الى تفاهم سياسي داخلي، لابدّ وأنها تتجاهل ما يوضع في فمها من أقوال وفي أذهانها من مشاريع أقل ما يقال فيها أنها بعيدة من الداخل وتصب فقط في حساب من تتأثر بهم قوى 8 آذار، وقد قال رئيس الحزب التقدمي الإشتراكي النائب وليد جنبلاط بصريح العبارة انه ينسق مع السوريين، فيما المعروف عن حزب الله أن تعليماته تصله من طهران، كي لا نقول انه يعمل بما يصدر عن إيران!
والذين زاروا دمشق في الآونة الأخيرة لم يقدروا على القول أنهم قصدوا التنزه وتمضية السهرة الأخيرة، ولا كانت غايتهم"شم الهوا"، بل لتلقي التعليمات، وهذا صهر "الجنرال النائب" ميشال عون الوزير في الحكومة المستقيلة جبران باسيل يقول بدوره أن من لا يعجبه تعاطي عون مع ارشادات دمشق ونصائحها بوسعه "تبليط البحر" من غير أن يكون قادراً على أن يحظى بعطف سوري، يسمح له مجدداً بالعودة الى السلطة!
ويخطىء من يتصور أن حزب الله ومعه حليفه ميشال عون سيقبلان بمعالجة سياسية ديموقراطية لعقدة إستقالة الحكومة بالتزامن مع إمكان التصدي لقرار المحكمة الجنائية الدولية، وفي الحالين لن تكون المعارضة قادرة على أن تقف على رجليها بمعزل عما تراه دمشق مناسباً، والأمر عينه بالنسبة الى موقف طهران التي تبدو في إنسجام منقطع النظير مع مثل ما حصل ويحصل في مصر وفي اليمن وتونس والعراق. كما أن إيران غير بعيدة عما هو مرتقب حصوله في عدد من دول الخليج التي تعاني الأمرين جراء تحركات المحسوبين على طهران وسلطة الإمامة، بحسب إجماع المراقبين السياسيين والديبلوماسيين العرب والأجانب الذين لا يجدون حرجاً في الإشارة الى توقعات بالغة السلبية في أماكن تمدد الجماعات المحسوبة على إيران؟!
الأسئلة المطروحة حالياً: هل من رابط بين ما حدث في العراق ثم في اليمن وبعد في مصر ثم في تونس والجزائر وبين ما هو مرتقب حدوثه في المغرب مثلاً وفي لبنان وسورية والأردن، من غير حاجة الى المكابرة من أي جانب رسمي أو سياسي، حيث يستحيل الركون الى المشهد العام في هذا البلد أو ذاك، من دون النظر الى المؤثرات ذات الطابع السياسي والشعبي والمذهبي الذي تتحرك الأحداث الأخيرة من خلاله (…)
ما يهم اللبنانيين أنهم وإن تأخروا في معرفة حقيقة ما يجري في الداخل وفي الخارج، هو أن الكلام على مسعى من هنا يقابله توجه تصعيدي مختلف من الجانب الآخر. وهذا ينطبق على قوى 14 آذار و8 آذار في وقت واحد، حيث يقال لدى كل جانب انه مرتاح الى وضعه، فيما يعرف الجميع أن "الحلول المطروحة لا تتناسب مع أحجام وتطلعات مختلف اللاعبين". وهذا عائد صراحة الى قدرة البعض على التأثر بما يتلقاه ويعبر عنه (…)
وما يهم أكثر وأكثر هو بقاء رد فعل حزب الله والحلفاء من المعارضة من ضمن التوقعات، لاسيما أن موعد صدور القرار الإتهامي أصبح مسألة ساعات، ما يعني أن الشكوى مرشحة لأن تتحول الى مشهد أمني من النوع الذي ساد تونس الأسبوع الفائت، مع فارق واحد أن المشهد السياسي في تونس لا يتأثر بالصراع المذهبي المعمول به في لبنان، فيما يعرف الجميع أن المشكلة في العراق ومصر واليمن خاضعة لمقاييس دينية بنسب مرتفعة جداً!
لقد دلت تجربة السودان في بدايات مراحل التمزق السياسي، إن العامل المذهبي – المناطقي كان السبب المباشر للخوض في نزاع البقاء بين شمال السودان وجنوبه. وهذا الشيء قائم في اليمن ومثله في العراق، وأيضاً في لبنان، على رغم التكاذب المتبادل الذي يعيد المشكلة الى خلافات سياسية ومطالبية ليس إلا(…)
والملاحظ أيضاً أن حكومة الوحدة الوطنية في لبنان قد انطلقت خطأ من تباينات يستحيل ان يلتقي أصحابها على مبدأ وطني واحد، حيث من الصعب توقع نجاح حزب الله بسلاحه وشعبيته مع ما يمثله التيار الوطني في قلب الطاولة على قوى 14 آذار مهما اختلفت الحسابات المحلية والإقليمية ومهما إرتفعت الضغوط السورية والإيرانية التي لا تزال تفضل المجيء بمرشح لتشكيل الحكومة لا يكون محروقاً مسبقاً. كما حصل في بعض مراحل الأزمة اللبنانية الضاربة في القدم!
والأسوأ من كل ما عداه أن الذين يدعون العفة في الجانب السني هم ثلاثة ارباع المشكلة كما درجت العادة من غير حاجة الى الداخل في الأسماء والتفاصيل، وعلى رغم كل ما يبذل من مساع للتعتيم على بعض الخوارج السنة مثلما حصل أيام فشل تشكيل لوائح انتخابية في مرحلة ما بعد 14 شباط من العام 2005؟!
وإذا كان من رأي وموقف لبعض هؤلاء الخوارج، فلا يعدو كونه "جس نبض" غير محسوب في الخلاصة السياسية مهما اختلفت هجمة حزب الله وحلفائه وفي مقدمهم النائب ميشال عون الباحث بالفتيل والسراج عمن يؤمن له طلة رئاسية ولو على بلاط ضريحه بعدما طال اعتماده على رنين الفلوس من مصادر بصعب سؤاله عنها؟!