#dfp #adsense

8 آذار تختار لكل مرحلة النظام الذي يلائمها

حجم الخط

مع الديموقراطية العددية إذا كانت أكثرية ومع التوافقية إذا كانت أقلية
8 آذار تختار لكل مرحلة النظام الذي يلائمها

يقول وزير سابق عاصر عهوداً عدة: غريب أمر قوى 8 آذار. فهي تارة مع الديموقراطية التوافقية وطوراً مع الديموقراطية العددية وذلك وفق مصالحها وليس وفق مصالح الوطن. تارة تريد احترام أحكام الدستور والعودة إلى المؤسسات والأصول الديموقراطية في النهج والتصرف، وطوراً تتجاهل كل ذلك وتلجأ إلى الشارع وإلى استخدام السلاح لتحقيق أهدافها ومراميها، تارة تلبس ثوب الدستور والنظام كما فعلت حالياً، وتمنِّن الناس بذلك وطوراً تلبس ثياب الميدان لترهبهم، فلو أن قوى 8 آذار اتخذت المواقف التي تتخذها الآن ولو حتى إشعار آخر لما كان لبنان يواجه ما يواجهه اليوم من تخبط في الأزمات.

ويضيف: عندما جرت انتخابات 2009 النيابية أعلنت قوى 8 آذار أنها توافق على أن يكون الحكم لمن يفوز فيها بأكثرية المقاعد النيابية ويتحمل المسؤولية تطبيقاً للنظام الديموقراطي، ظناً منها أنها هي التي ستفوز بهذه الأكثرية، وعندما خاب ظنها، عادت عن موقفها هذا وأعلنت أنها تصر على تشكيل حكومة وحدة وطنية تتمثل فيها الأكثرية والأقلية وأن يكون لها فيها الثلث المعطل لئلا تستأثر الأكثرية في اتخاذ القرارات ولا سيما في المواضيع المهمة، والمهم عندها هي المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، وبررت طلبها هذا بالقول أن الأكثرية هي أكثرية نيابية وليست أكثرية شعبية.

وعندما تعثر تشكيل حكومة وحدة وطنية لخلاف على الأسماء وعلى الحقائب قبل إجراء تلك الانتخابات لجأت قوى 8 آذار إلى الشارع لفرض رأيها الذي لا تستطيع أن تفرضه داخل المؤسسات كونها أقلية، فكان اتفاق الدوحة الذي فرض شكل الحكومة وقانون الانتخابات، فتشكلت حكومة الرئيس سعد الحريري على أساس هذا الاتفاق، ولكن عوض أن تكون حكومة وحدة وطنية، كانت بكل أسف حكومة اللاوحدة واللاوطنية. وعوض أن تكون حكومة الاهتمام بأولويات الناس كما وعدت، كانت حكومة إهمال هذه الأولويات وجعل الملفات الشائكة التي اتفق على أن توضع جانباً، سبيلاً لعرقلة عمل الحكومة ومن ثم تعطيل جلساتها حتى أن وزراء 8 آذار تجاوزوا صلاحيات رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة في اعداد جدول الأعمال وفي تحديد موعد انعقاد الجلسات واتخذت من ملف شهود الزور سبباً للتعطيل، ومن ثم سبباً لاستقالتهم من دون مراعاة الأصول واللياقة والعرف بحيث كان عليهم انتظار عودة الرئيس الحريري من الخارج لتقديم الاستقالات.

وقبل الدخول في مرحلة تشكيل حكومة الوحدة الوطنية أصرت قوى 8 آذار على أن يكون الرئيس نبيه بري المرشح الشرعي والممثل الوحيد للطائفة الشيعية ومارست ضغوطاً قوية لمنع مواجهته بأي مرشح آخر كان البعض في قوى 14 آذار يسعى اليه.

وفي الانتخابات الرئاسية أصرت قوى 8 آذار على أن يكون رئيس الجمهورية من غير فريق 14 آذار وإلا استمرت أزمة الفراغ الرئاسي إلى أجل غير معروف، فاضطرت قوى 14 آذار للقبول بالمرشح الذي يصير التوافق عليه فكان العماد ميشال سليمان هو هذا المرشح، ولم تلجأ الى ما لجأت اليه قوى 8 آذار أي إلى تعطيل جلسات الانتخابات وذلك حرصاً منها على الوحدة الوطنية وعلى سلامة لبنان وأمنه وإخراجه من الأزمة المتفاقمة بأقل خسارة ممكنة.

وبعدما مارست قوى 8 آذار سياسة عرقلة أعمال حكومة الحريري فحالت دون اجراء التعيينات الضرورية والملحة في الأسلاك الادارية والديبلوماسية والأمنية والعسكرية ومعالجة اهتمامات الناس وهمومهم عطلت جلسات مجلس الوزراء مشترطة بت ملف شهود الزور قبل أي موضوع آخر، وعندما لم تحصل على ما تريد طلبت من وزرائها الاستقالة بالجملة لتفرض استقالة الحكومة برمتها غير آبهة بمخالفة اتفاق الدوحة الذي يمنع الاستقالة وبالتالي عرقلة أعمال الحكومة.

وبعدما نجحت قوى 8 آذار في التحكم بالأكثرية وفرض مواقفها عليها وارغامها على تقديم تنازلات بعد تنازلات وإلا فلا أمن ولا استقرار حتى ولا دولة ولا وطن، انتقلت هذه القوى من مرحلة التحكم بالأكثرية إلى مرحلة الحكم وذلك بالانقلاب عليها بحيث تكون الحكومة منها بعدما كان رئيس مجلس النواب منها أيضاً، حتى إذا لم يجارها رئيس الجمهورية التوافقي في هذا النهج الاستفزازي والكيدي ويغطي ذلك سواء بالحسنى أو بالاكراه، فان قوى 8 آذار مستعدة لفتح أزمة انتخاب رئيس آخر للجمهورية تختاره هي إنطلاقاً من ثغرة دستورية شابت انتخابه ربما عن قصد، وإذا لم توافق قوى 14 آذار فان الأزمة تبقى مفتوحة ولا من يسأل 8 آذار عن مصالح الناس ولا عن مصالح الوطن.

وها ان بعض قوى 8 آذار تمارس حالياً سياسة التحدي والاستفزاز باعلان رفضها عودة الرئيس الحريري الى السرايا برغم ما يمثل ومن يمثل خصوصاً في طائفته، وعدم التعامل مع اختيار رئيس الحكومة كما تعاملت قوى 14 آذار مع اختيار رئيس المجلس وكأنها تعمل من حيث تدري أو لا تدري على اشتعال فتنة بالكيد السياسي عوض اشعالها بالسلاح الممنوع لأنه يحقق عكس ما تبغيه هذه القوى وبالانتقام من "ثورة الأرز" وضرب المكتسبات التي حققتها تلك الثورة، حتى ولو تعرض لبنان لحصار سياسي واقتصادي من الدول التي تناهض هذه السياسة الحمقاء.

ثمة من يقول أن قوى 8 آذار ومن وراءها في الداخل والخارج مستعدة لأن تجعل حكمها مقبولاً، وذلك بأن تحقق ما لم تستطع قوى 14 آذار تحقيقه سواء بالنسبة الى العلاقات مع سوريا ومطالب لبنان من سوريا، وسواء بالنسبة الى القرار 1701 وتنفيذه بكل مندرجاته أو بالوضع على الحدود مع اسرائيل وحتى بالنسبة الى المحكمة الدولية الخاصة بلبنان فترد على صدور القرار الاتهامي بالوسائل القانونية أمام المحكمة ووفقاً للأصول التي يتطلبها مسار القضاء أي انها مستعدة لأن تقبل إذا أصبحت في الحكم بما ترفضه وهي شريكة فيه، مع 14 آذار، لأن قوى 8 أذار يهمها الوصول الى الحكم لتحاكم خصومها، وهي مستعدة لأن تعطي كل ما يهم الخارج لتكسبه الى جانبها كي تتحكم في الداخل…

لكن قوى 8 آذار تنسى أو تتناسى ما كانت تقوله دائماً وهو أن لبنان لا يحكم من حزب واحد ولا من طائفة واحدة كما انه لا يحكم بشعار "غالب ومغلوب" وأن كل أزمة حادة كانت تنتهي بعبارة "ما مضى مضى" وبلا "غالب ولا مغلوب"، لأن المغلوب سيظل ينتظر الفرصة السانحة ليصبح غالباً وسواه مغلوباً وهكذا دواليك بحيث لا يكون استقرار بل حروب أو العيش في حالة انتظارها…

المصدر:
النهار

خبر عاجل