#adsense

اكتمل النقل بالزعرور

حجم الخط

"وجاهل مده في جهله ضحكي
حتى أتته يد فراسة وفم"
المتنبي
 
كانت عمتي عندما يأتي شخص غير مرغوب فيه أو يدلي بتصريح سخيف أو خارج عن المألوف تقول "اكتمل النقل بالزعرور"، بما يعني أنه لا يكفينا جملة الآراء المضحكة التي يطلقها الحاضرون حتى "حكى بدري وشرح صدري"! وأصدر تصريحاً لا يزيد إلا الطين بلة ويزيد جنوناً على حفلة الجنون القائمة أصلاً.

في هذا الإطار كانت عمتي ستعلق على تصريح النائب العبقري محمد رعد بأنه يريد لرئاسة الوزراء في لبنان "رئيساً مقاوماً" في عودة الى تعابير بائدة من موروثات أواسط القرن العشرين سممت عقول العرب وأرجعتهم قروناً الى الوراء مثل "الرئيس المؤمن" و"الرئيس المناضل" و"الرئيس الملهم"، أي أنه لا يكفي أن يكون الرئيس رجل دولة نظيف الكف ويسعى الى إنماء بلاده وازدهاره وتوسيع شبكة علاقاتها واقتصادها، بل يكفيه أن يكون مقاوماً على نسق الرئيس اميل لحود، ولا يهم بعدها إن كان فاسداً أو متخلفاً أو فاشلاً أو طاغية أو قاتلاً وما الى هنالك من صفات غير حميدة.

ولا غضاضة في أن تصطف طوابير المواطنين أمام محطات الوقود، أو أن تنتظر ساعات للحصول على ربطة خبز، أو أن تتحول المدارس الى ملاجئ للنازحين، أو أن تطحن أشلاء الأبناء في دوامة العنف، أو أن يقبع مئات الآلاف في السجون لمجرد أنهم يعارضون صاحب السلطة المطلقة الرأي.

أو أن صفات الرئيس المقاوم هي في قبوله تحويل الاقتصاد والتعليم والثقافة والإعلام وحتى التربية في المنازل خدمة لمشروع المقاومة، كما صرح يوماً الشيخ نعيم قاسم، وهذا يعني حسب منطق المقاومة وضع كل هذه المهام تحت سلطة "مؤسسة الشهيد" لتحويل كل أبنائنا مشاريع شهداء في خدمة الأهداف العقائدية التي تقود هذه المقاومة.

لا يا حضرة النائب المقاوم، فلست أنت من يصنف الناس، ولا ميزانك أو ميزان زملائك هو المقياس المرجعي لتصنيف الرجال أو الرؤساء أو حتى وضع المعايير للقبول أو الرفض في الشؤون العامة.

أما نحن، المواطنين المتحررين من لوثة العقائد السياسية الجامدة، فجلّ ما نسعى اليه هو رجل دولة مستقيم قادر على إدارة البلاد في سياستها واقتصادها نحو برّ الأمان، لأنه لا رغبة لنا بعد اليوم في أن نجعل من أولادنا مشاريع شهداء للمقاومة، ولا أطفالنا ضحايا لمشروع المقاومة، ولا بيوتنا المدمرة فداء لعقيدة المقاومة أو لسيدها. ورغبتنا وطموحنا أيضاً أن تتحقق العدالة وأن تظهر حقيقة من اغتال قياداتنا ومعهم أبناؤنا حتى لا يبقى أحد في المستقبل عرضة للابتزاز والتهديد كما عاش آباؤنا وعشنا نحن على مدى العقود القليلة الماضية. ولا يعتقدن أحد بأن رفضنا حصر الأمور أجمعها في منطق المقاومة يعني عدم قدرتنا على الصمود، فقد جربنا على مدى السنوات الماضية وسوف نصمد الى أن يصل وطننا الى برّ الأمان، فإذا "رأيت نيوب الليث بارزة فلا تظنن أن الليث يبتسم"!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل