أما وقد خاضتها المعارضة معركة مفتوحة الأبعاد السياسية والتوقعات على أنواعها أصبح لزاماً على قوى 14آذار ان تستدرك ما فاتها فعله بالنسبة الى تشكيلة الحكومة السابقة يوم خضعت للإبتزاز قبل أن تتضح لها حقيقة صورة التشكيلة الوزارية وقبلها صورة الإنتخابات الرئاسية ومعها إتفاق الدوحة حيث تداخلات آنذاك لعبة عض الأصابع مع التلويح الصريح بفتنة مذهبية لم تغب يوماً عن اذهان قوى 8 آذار "باعتبارها الحل الأمثل لإثبات الوجود وللتحكم بقرار السلطة"!
صحيح أن الأكثرية النيابية لم تعمل بموجب النظام الديموقراطي البرلماني، ما أوقعها في حبائل الخوف من جر البلد الى المجهول، وهي لو فعلت العكس لما كانت المعارضة تأخرت عن إعتماد لغة العنف. كذلك فإن ما عجزت قوى 8 آذار عن تحقيقه فهو الإنقلاب على الدولة، مع العلم أن مثل هكذا حلم لايزال يراود من أخطأ مراراً وتكراراً في تكبير حجم طموحه السياسي وغيره. ويتقدم المخطئين منذ وقت طويل من يتصور أن بوسعه إستخدام سلاح المقاومة في الداخل طالما انه لم يطلب إذناً من أحد في إستخدامه بمواجهة خصومه وباستمرار حمله (..)
من سابق آوانه ادعاء العفة بعدما غيّر بعض السياسيين موقفهم من التطورات، ومن سابق أوانه معرفة من سيكلف بالتحديد تشكيل الحكومة العتيدة، خصوصاً عندما يقال أن جهوداً عربية ودولية تنشط من لحظة استقالة وزراء المعارضة لمنع هذا النائب وتلك الكتلة من تغيير موقفها من مؤيد بصورة مطلقة عودة سعد الحريري الى السراي، الى رافض في المطلق لتقبل وجود زعيم الأغلبية مجددا على رأس الحكومة!
كذلك، فإن من يشتغل للمجيء برئيس جديد للحكومة يعرف تماماً استحالة تخطي قرار الأكثرية مهما بذل من دعم مادي ومعنوي لتكليف "أكس من البشر" حتى وإن كان الداعمون المرتقبون يعرفون أن دونهم مشكلة اساسية إسمها إعداد المؤيدين ومثلهم إعداد الرافضين، لاسيما أن بعض من يتداوله اعلام المعارضة من مرشحين قد سبق له أن إحترق في آتون السلطات السابقة، وأبرز هؤلاء من جرب حظه في تولي السلطة واضطرته الظروف لأن يعترف لاحقاً بعجزه عن الإستمرار في موقعه!
وتجدر الإشارة هنا إلى أن من يحدد صورة الرئيس المكلف هو الصوت النيابي. كما يمكن القول أن الصوت إياه هو من يقرر إستبعاد مرشحي المناسبات، غير أن المؤكد في هذا السياق أن "الغش السياسي والديبلوماسي والمادي يلعب دوره"عندما يحين أوان إتخاذ القرار. حتى وإن كان هناك من يجزم بأن الأمور محسومة بإتجاه تكليف الحريري أو غيره، قبل أن تتضح ردة الفعل السياسية والشعبية. ربما لأن السياسيين في نظر المراقبين آخرر من يحق لهم القبول أو الرفض بعكس ما ينص عليه القانون ومفاعيل الدستور اللبناني.
من حيث المبدأ، فإن المعارضة تبدو أفضل حالاً اعلامية وشعبية من قوى 14 آذار، بعدما أثبتت التجارب أن قوى الأكثرية فقدت إندفاعها اثر ما حصل يوم ترتيب تشكيل حكومة الوحدة الوطنية التي لم تعكس يوماً مفهوماً موحداً لكلمة الوحدة ومعها كلمة الوطنية، بقدر ما جسدت حال رفض وتحد وتخويف، بما في ذلك استعداد لجر البلد الى المجهول. وهذا زمن إثبات الوجود وتحديد مجريات الحكم كون المعارضة لا ترضى إلا بما يحقق رغباتها التي وصلت الى حد ضرب الإستقرار في البلد. والتهديد بالأسوأ على الدوام!
أما أولئك الذين قد لا يرضون عن غير ما حصل في تونس فإنهم منهمكون في تجييش جماعاتهم، قناعة منهم بأن عودة الحريري الى السراي تشكل تحدياً لكل من سعى ويسعى الى ازاحته ممن هم في الداخل والخارج على السواء؟!
يبقى القول أن المعارضة قد نجحت في خلق بؤر سياسية لم تتنبه الأكثرية الى السلبيات المرشحة الحصول على ايديهم، خصوصاً عندما يتحدث بعضهم عن شروط ملحة تبدأ باسقاط المحكمة الجنائية الدولية والبدء فوراً بسحب القضاة اللبنانيين منها وصولاً الى التحكم بالمزيد من المناقلات الإدارية والديبلوماسية والأمنية والقضائية المعروفة الأبعاد والأهداف، حيث هناك مجموعة من الأسماء مرشحة لقطع الرأس من جانب المعارضة، في حال نجحت في إبعاد الحريري وتولي السلطة بقوة؟!
ومن هنا تحديداً جاء تعديل موعد الإستشارات الملزمة للتكليف من جانب رئيس الجمهورية ميشال سليمان، كونه يعرف أكثر من سواه أن دخول استحقاق رئاسة الحكومة من باب التحدي سيؤدي حتماً الى المزيد من عض الأصابع وربما إلى أسوأ من ذلك بكثير؟!