في الوقت الضائع، قبيل تسليم القرار الاتهامي وتسلمه بين المدعي العام دانيال بيلمار وقاضي الاجراءات التمهيدية دانيال فرانسين، خرجت القمة الثلاثية في دمشق لتعلن حرص قادتها على ايجادحل للازمة اللبنانية على اساس المساعي السعودية – السورية. كان الامير حمد بن خليفة آل ثاني والسيد رجب طيب اردوغان كثفا الاتصالات لاقناع الرئيس بشار الاسد بحكمة انعاش المساعي بين الاصدقاء الاقليميين، قبل اتخاذ موقف نهائي من فكرة "مجموعة الاتصال" الدولية التي اقترحها الرئيس الفرنسي. كان الوجود في هذه "المجموعة"، ولا يزال، مغريا لسوريا، لكنه يرتب عليها التزامات وقيودا قد تمنعها من تحريك حلفائها في لبنان، بل يحتم عليها الا تكون طرفاً في التصعيد والتأزيم بل دولة مساهمة في معالجة ايجابية للازمة.
اهون الشرين، اذا، العودة الى العمل مع السعودية. لم تكن دمشق بحاجة الى قمة ثلاثية لتدرك جدوى متابعة السعي مع السعودية. ولعل فضيلة هذه القمة انها افهمتها انها قرأت خطأ الابلاغ السعودي عن تعذر الاستمرار في المسعى وفقاً للسيناريو الذي وضع منذ آب الماضي. وبالتالي تصرفت دمشق خطأ عندما اعطت حلفاءها الضوء الاخضر لتنفيذ الخطة المرسومة بدءا باستدراج استقالة "قيصرية" للحكومة وتعمد احراج رئيس الحكومة قبيل لقائه الرئيس الاميركي. لم يعترض احد على استخدام الحق الدستوري، لكن هذه ليست المرة الاولى التي تعمد فيها "المعارضة" الى لعبة سياسية بتكتيكات عسكرية متهورة.
كانت المساعي تهدف الى ثني "حزب الله" عن تهديد الاستقرار الداخلي لمجرد الرد على قرار اتهامي لا يعرف مضمونه. فجأة، اصبح على الاطراف الاقليمية (تركيا وقطر) ان تسارع الى لجم سوريا عن انفاذ ذلك التهديد. وفي اي حال، فان المسعى السعودي خذل اكثر من مرة سوريا. اذ بات اكثر وضوحاً الآن ما عناه رئيس الحكومة بقوله ان الطرف الآخر لم يف بالتزاماته. خذلت الرياض اولا برد الفعل السوري الفاتر على المواقف التي ابداها سعد الحريري في حديثه الى "الشرق الاوسط"، وخذلت ثانيا بالطريقة التي فجرت بها قضية "شهود الزور"، وخذلت ثالثا بتضخيم هذه القضية واعتبارها ذات اولوية على معرفة حقيقة الاغتيالات، وخذلت رابعا بصدور مذكرات التوقيف عن القضاء السوري، وخذلت خامسا باعطاء الامر الى الطرف السياسي الذي طرح قضية "شهود الزور" في مجلس الوزراء ثم بتعطيل عمل الحكومة بسبب هذا الملف،وخذلت طوال الوقت بالحملة الشخصية على رئيس الحكومة وبعضها يستند الى "مصادر سورية" ولا يصار الى نفيها او النأي عنها، وخذلت اخيرا بسرعة الانتقال الى التصعيد السياسي رداً على الاخفاق في تأمين تفويض دولي لسوريا كي تضمن الاستقرار في لبنان، والا فهي لن تضمنه بل ستكون عاملا مساهما في زعزعته. ومنذ البداية، لم يكن مضمونا ان السعودية ستتمكن من الحصول على هذا التفويض.
من هنا ان العودة الى المساعي السعودية – السورية تقتضي مراجعة كل ما حصل في الشهور الستة الاخيرة. وطالما ان القرار الاتهامي انجز فلا بد من اعادة النظر في بعض بنود التسوية. فالقول ان هذا القرار كان يستحسن تأجيله، او الغاءه، لانه خلاصة تسييس اميركي – اسرائيلي لعمل المحكمة وللتحقيق، كان ليكون مقنعا لو ان مناوئيه استخدموا اسلوبا مختلفاً لاستمالة الطرف الآخر الى وجهة نظرهم. اما التهديد والوعيد والتخويف والترهيب فجاءت برد فعل عكسي، وفي الاساس لم يكن هناك اقتناع عام بأن تحقيق بيلمار موجه ومنحاز مثل تحقيق ديتليف ميليس. وكل الاوراق والاشرطة والمعلومات التي استخرجت لضرب التحقيق والتشنيع عليه، جاءت من فترة ميليس التي جهد المحققان التاليان لتنظيف آثارها، بما فيها تضليلات "شهود الزور".
بعد كل ما شهد اللبنانيون خلال الفترة الاخيرة، يأتي الامين العام لـ"حزب الله" ليكيل المديح للسعودية ومليكها، مستخلصا ان الفشل او الافشال جاء من الجانب الاميركي ومن الفريق اللبناني المتآمر معه ضد "الحل السعودي – السوري". عدا ان في ذلك استغباء للبنانيين، فانه ينطوي على تناقض في حجج السيد حسن نصرالله، اذ اراد اقناع سامعيه ببساطة بأن المطالبة بالغاء المحكمة الدولية شيء وان فك الارتباط اللبناني بها شيء آخر. وعليه، فهو عرض روايته لاسباب الفشل معتبراً ان الفريق الآخر المتمسك بالمحكمة رفض "تحييد لبنان" عنها عبر ثلاثة اجراءات حددتها الورقة السعودية السورية: "سحب القضاة اللبنانيين من المحكمة، وقف اي تمويل لبناني للمحكمة، والغاء مذكرة التفاهم بين الحكومة اللبنانية والمحكمة الدولية".
مع افتراض ان التسوية كانت تتطلب هذه التنازلات من فريق رئيس الحكومة، الا ان اي عاقل لا يمكن ان يعتقد ان اي تسوية يمكن ان تنجح بتنازل فريق واحد. ومع افتراض ان هذا الفريق ساذج ومضغوط عليه الا ان الهجوم الكاسح الذي تعرض له تحت راية "شهود الزور" ايقظه الى ما ينتظره في حال اقدم على التنازل من دون أي مقابل، بل من دون اي ضمان للاستقرار في الحكومة وفي الشارع. ومن شأن الرأي العام المؤيد للتحقيق الدولي ولعمل المحكمة ان يشكر السيد نصرالله لانه ساهم، من دون ان يقصد، في توعيته بل تحريضه ضد هذه التنازلات التي كاد قادته ان يرتكبوها. لكن، في المقابل، من شأن الرأي العام الآخر الرافض للمحكمة ان يسأل السيد نصرالله لماذا لم يكشف البنود والتنازلات المطلوبة من فريقه ليكون هناك توازن وليكون حل.
يبقى انه، بمعزل عن السعودية وسوريا وايران، عن اميركا واسرائيل، مع الادراك العميق لدور كل منها، كان ولا يزال متوقعاً ومطلوباً من "حزب الله" ان يفصل بين المسارات المختلفة ليقدم للبنانيين اولا تحديداً واضحاً لما هي المصلحة الوطنية في هذه الحقبة الصعبة. فليس هناك لبناني عنده ضمير وحد ادنى من الوطنية يريد استهداف المقاومة وتعريضها للمؤامرات الاميركية والاسرائيلية، ولا هو يريد طمس الحقيقة والعدالة في قضية الاغتيالات. هذا هو واقع اللبناني اليوم، انه يريد حماية المقاومة وتحقيق العدالة، وهذا هو جوهر الانقسام حتى لو اراد البعض تطييفه او مذهبته. الاكيد ان "حزب الله" يدرك هذا الواقع، اما كيف يتصرف وماذا يقول فتلك مسألة اخرى.