فتح إرجاء الاستشارات النيابية الملزمة لتسمية رئيس الحكومة الجديدة بعد أيام من سابقة إسقاط الحكومة مسلكا جديدا لتداعيات أزمة المحكمة الدولية من شأنه ان يرسم خطا بيانيا اجماليا لنوعية احتمالات التصعيد التي يقبل عليها لبنان في أطرها العريضة.
ويمكن الاستخلاص اولا أن الازمة الحكومية ربطت ربطا محكما لا فكاك منه بالقرار الاتهامي للمحكمة، وليس بأي تفاوض اقليمي او عربي او دولي، بحيث أن الموجات الباردة او الساخنة في سلم التصعيد ستصبح رهينة للمسار القضائي، وليس للمسار السياسي. وغني عن البيان ان مفاعيل هذا الربط، من أي جهة أتى، تضع لبنان امام مزالق تصعيد أمني على رغم كل التنميق الكلامي الصعب التصديق عن "ضمانات" و"التزامات" و"عهود" بعدم الوقوع في هذه المتاهة. ولم تكن "الرسالة الطيارة" فجر أمس في ظاهرة تجمعات "الاشباح النظامية" في بعض أحياء بيروت سوى البداية.
يقود هذا الربط حكما الى توقع أزمة حكم مفتوحة وأكثر من جدية. اذ يكفي ان تخضع الاستشارات النيابية لإرجاء ثان الاسبوع المقبل، وتحويل هذه العملية الدستورية الى "جولات" إرجاء متعاقبة لأحداث سابقة جديدة هي تعطيل الاستشارات بعد اسقاط الحكومة. وبذلك سيضرب موقعان دستوريان هما رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة سواء بسواء مع ما يستتبعه ذلك من مضاعفات وتداعيات دستورية وسياسية وطائفية ومذهبية في هذا المناخ العابق بالتعبئة والعصبية والتمترس.
وقد لا يكون من المبالغة في شيء أن تؤدي هذه الحالة الى "تعليق الدولة" برمتها على الحبل المشدود مع تعطيل كل رموزها ومؤسساتها.
أما في المقلب الآخر، مقلب المفاوضات بين الدول وبين الافرقاء الداخليين، فلا شيء يقيم ضمانا أفضل أقله حتى الآن ما دامت طلائع المفاوضات والوساطات الجديدة – القديمة تراوح عند تجريب المجرب. فلو أمكن تجاوز الشكل والمضمون مع تغييب لبنان عن القمة الثلاثية السورية – القطرية – التركية في دمشق، يستحيل القفز فوق عامل غريب آخر هو اعادة القمة وضع الازمة اللبنانية على سكة الوساطة السورية – السعودية فيما السعودية بدورها غائبة عن القمة. ومن يضمن ألا تصطدم سوريا والسعودية تحديدا ومرة جديدة بالمعطيات نفسها التي أدت الى إخفاق مبادرتهما الاولى عند استحالة ايجاد "تسوية" لتحلل لبنان من التزاماته في شأن المحكمة؟
ثم ان التحرك القطري – التركي نحو لبنان يبدو كأنه بداية مسار "لأقلمة" الازمة وإبعادها عن "التدويل"، خصوصا بعدما نجحت سوريا في اقصاء فرنسا تحديدا عن مبادرتها المتمثلة في انشاء لجنة اتصال دولية – اقليمية لمعالجة الازمة اللبنانية. وعلى افتراض ان امكانات نجاح "الأقلمة" متوافرة في حدودها الدنيا، فمن يضمن وقف أو عرقلة او لجم قدرات العمالقة الدوليين وفي مقدمهم أميركا، التي قال الرئيس نبيه بري ان زيارة سفيرتها لزحلة أثبتت ان "المعركة مع أميركا"؟
بذلك نكون تماما امام استعادة حرفية مقرونة باضافة عنوانها ملف المحكمة، لمرحلة صدور القرار 1559 حين اندفعت سوريا في التمديد للرئيس اميل لحود وصدر القرار الشهير ثم انفجرت التداعيات السياسية وصولا الى اغتيال الرئيس رفيق الحريري وتفجر فصول حرب الاغتيالات تباعا.
وما دام الشيء بالشيء يذكر، لماذا لا تكون ايران في الجانب الآخر من القمة الثلاثية مباشرة لاستكمال عامل "الأقلمة"؟ ولماذا تغييبها عن مشاركة حليفها الاستراتيجي سوريا؟ أم تراها الصفحة الأخرى من انزلاق لبنان الى متاهة "المفاوضات الكبرى" الحقيقية في الملف النووي، عشية الجولة الثانية بين الغرب وايران في اسطنبول؟
ومع كل هذا كيف لا يهلع اللبنانيون عند نسائم "صبحية" البارحة مع "إخبارية" عن أشباح طاب لهم تنسم الهواء العليل وسط هذا العبق الفواح؟