إذا ما أرادَت الميليشيا بثّ الذعر بين المدنيين في المرحلة الراهنة فحريّ بها قبل كل شيء التستّر عمّا ينتابها من نوبات ذعر ورعب، خصوصاً في مرحلة ما بعد إنجاز وتسليم قرار اتهاميّ دوليّ بات يدرك القاصي والداني أنّه سيكون فاصلاً وحاسماً لجهة تثبيت الزاوية التي سيصارُ، انطلاقاً منها، إلى تأريخ سنوات الأزمة الأهلية الست، كما تكريس الزاوية التي سيصارُ إبتداء منها إلى التفكير في السبل الآيلة إلى إعادة إنتاج ميثاق العيش المشترك بين اللبنانيين تأسيساً على العدالة، وعلى الحقيقة في شأن سلسلة الاغتيالات التي استهدفت نخبة من الزعماء الوطنيين اللبنانيين وفي طليعتهم الرئيس الشهيد رفيق الحريري.
بيد أن البارز إلى الآن تباشير "خطّة ميدانية" تنطلق من أساسين: فمن ناحية أولى هناك من يريد أن يُرعب الآخرين برعبه، وأن يصدّر بالغزو إلى غيره ذاك الذعر الذي يلمّ به عشية إذاعة الحقيقة. ومن ناحية ثانية هناك من يريد أن يشعر الدائرة الأهلية التي ينتسب إليها أنّ مصيرها الوجوديّ الجماعيّ مهدّد وأنّ إنقاذها يكون باصطدامها التناحريّ مع الدوائر أو الجماعات الأهليّة الأخرى.
طبعاً، وبعدَ أن كان الجهاز الانقلابيّ يعوّل، حتى أيام قليلة، على دور فاعل لمجموعات متعاملة معه إنّما من غير نسيجه، صارَ مقتنعاً بشكل تام اليوم أن خطّته لا يمكن أن تتهرّب كثيراً من منطق "غزو مناطق الغير" وهو بات يعدّ العدّة على هذا الأساس، علماً أنّ "الميدانيين" يدركون تماماً أن العوائق الموضوعيّة والذاتية التي تجابه منطق "غزو مناطق الغير من على تخومها" باتت من نوع أكثر تعقيداً مما كانت عليه الحال أثناء غزو بيروت الغربية وبعض الجبل في 7 أيّار.
لا يعني ذلك أنّ خطّة التدخّل واضحة تماماً للجهاز الانقلابيّ الميدانيّ، وإن كانت "الإسهامات" المبلورة في هذا الإطار تميل كلّها إلى محاكاة ذلك الحلم المزمن بانتشار مسلّح كثيف يصل حتى نهر الموت أو نهر الكلب ويفرض أمراً واقعاً بهذا الحجم على مؤسسات الدولة وأجهزتها وعلى الطوائف الأخرى وزعاماتها وعلى الدول المعنية بالملفّ اللبنانيّ.
باختصار شديد وجد الجهاز الانقلابيّ الميدانيّ أنّه لا يمكنه التحرّك هذه المرّة، ولن يكون عنده بنك أهداف واضح هذه المرّة إن هو استثنى الجغرافيا المسيحية من تدخّله، خصوصاً في ظلّ الوضعية الراهنة للجغرافيا الدرزية التي استطاعت استثناء نفسها، في ظلّ سياسة إشكالية لا سبيل إلى الحكم الشامل عليها إلا بعدَ حين.
وما يهمّ في هذا الإطار عند استجماع المعلومات وترتيب التحليلات المعنية بالخطّة الميدانيّة لتدخّل "حزب الله" في المناطق المختلفة عنه طائفياً هو بالدرجة الأولى هذا "المدى الجغرافيّ" الذي يجري التخطيط للهيمنة عليه.
فالجهاز الانقلابيّ الميدانيّ بات يقول لنفسه إنّه إن لم يستطع إثبات قدرته على السيطرة السريعة نسبياً على هكذا مدى في ليلة حالكة السواد فإنّ أحداً لن يأخذ على محمل الجدّ بعد الآن القدرات التي يزعمها هذا الجهاز لنفسه، الأمر الذي سيؤدّي إلى انتفاء شعور المجموعات والمناطق الثانية بالخوف بادئاً ذي بدء، ثم إلى نشأة تيار "استفساريّ" عريض داخل الطائفة الشيعية، بل داخل "حزب الله" نفسه، على طريقة استحضار السؤال المصيريّ لكل طائفة: إلى أين؟
وكل هذا يعني أن ما حصل في الحدث ثم من الطيونة إلى رأس النبع لم يكن فقط بقصد الترهيب، سواء ترهيب المواطنين أم الأجهزة الشرعية أم القيادات أم الديبلوماسيات الأجنبية، وإنّما كان الأمر على الصعيد الميدانيّ "استطلاعاً من دون نيران"، هذا بالدرجة الأولى، وشدّاً لأزر الجهاز الانقلابيّ الميدانيّ مع بدء العدّ العكسيّ لإذاعة لائحة الاتهام الدوليّة، هذا ثانياً. وقصد المسلّحون من هذين الاستطلاعين تقدير أسلوب تعاطي البيئة المسيحية من ناحية، والجيش اللبنانيّ والقوى الأمنية من ناحية أخرى، تمهيداً للعملية الميدانية.
وهنا يجب الالتفات إلى أمر ليس بتفصيليّ: بخلاف ما حصل مع "اليونيفيل" جنوباً فإنّ الجهاز الانقلابيّ الميدانيّ لا يقيم حالياً حساباً لـ"سلاح الأهالي" وهو يعدّ الخطّة حالياً بشكل انقلابيّ كلاسيكيّ تاركاً للإعلام الحربيّ وحده مهمّة الحديث عن أهالي.
أما الأمر الثاني الذي يُمكن قوله فيبقى على خطورته "تفصيلياً" وهو أنّ الانقلابيين عندنا يريدون أن يروّجوا أن ما سيقومون به هو انتفاضة على الطريقة التونسية، هذا بقصد التستّر على الهوية المذهبية والأيديولوجية لمساعيهم العنفية. هنا، ليسَ كافياً القول بأنّ انتفاضتي الأرز والياسمين من جوهر واحد، إنّما يمكن الإضافة بأنّ زين العابدين بن عليّ يبقى ديموقراطياً ليبرالياً وجمهورياً دستورياً وحضارياً حداثياً إذا ما قورن بالظلاميين القتلة الذين يبدو أنّهم لا يرغبون في أن تكون محاكماتهم غيابية ويريدون تسريع الخطى إلى لاهاي.. بقوّة!