كتب رضوان عقيل في صحيفة "النهار": الخامسة والربع فجر الثلثاء رن الهاتف الداخلي في غرفة نوم رئيس مجلس النواب نبيه بري، فظن للوهلة الاولى ان أحد القياديين في حركة "أمل" قد توفي لأنه في وضع صحي حرج. لكن المتصل أبلغه ان شبانا يرتدون ثيابا موحدة انتشروا في محيط الضاحية الجنوبية وعند بعض مداخل بيروت. وفي هذا الوقت كان المسؤول عن الملف الامني في الحركة أحمد بعلبكي يقوم بالاتصالات لمواكبة ما يحصل "على الارض" وقال بري على الفور: "لن أقبل بوجود أي شاب في الشارع، وليذهب المواطنون الى أعمالهم والتلامذة الى مدارسهم في شكل طبيعي". واستمر في هذه المهمة مع "حزب الله" وقيادات أمنية، داعيا الى انهاء هذه التجمعات، وهذا ما حصل قبل الثامنة صباحا.
وينفي لـ"النهار" المعلومات التي ذكرتها بعض وكالات الانباء ان "أمل" شاركت في هذه العروض الصباحية في محيط العاصمة ومداخلها.
لا يريد رئيس المجلس التعليق على هذا التحرك الذي تزامن مع قدوم رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني ووزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو اللذين يحملان حصيلة نتائج قمة دمشق، على أمل ايجاد مخرج من النفق الذي دخله اللبنانيون في ظل الحكومة المستقيلة وتأجيل الاستشارات النيابية في القصر الجمهوري الى الاثنين المقبل.
ويروي بري أن الموفدين القطري – التركي "يبذلان جهوداً نرحّب بها"، ويحضّران لاتفاق كبير ومتكامل يستند الى تفاهم "س. س".
وتوقف عند ما قدمه الموفدين، مؤكداً ان ما يحملانه يختلف عن المعطيات التي كانت تطبخ في بيروت الاحد الفائت.
وقد اوضح له الشيخ حمد وداود اوغلو ان الانقاذ الذي يعملان على تحقيقه لن يخرج عن نقاط "س. س"، وانه جرى قبل صدور البيان الختامي لقمة دمشق ابلاغ القيادة السعودية بمضمون ما سيقوم به الجانبان القطري والتركي، وقد تلقيا "المباركة المطلوبة من المملكة".
من جهته، قدّم لهما بري شرحاً طويلاً عن كل ما رافق الاتصالات غير المباشرة بينه وبين الرئيس سعد الحريري عبر رئيس "اللقاء الديموقراطي" النائب وليد جنبلاط. وعرض رئيس المجلس للموفدين كل الرواية اللبنانية "منذ ان ولد النبي محمد يتيماً". وذكر للموفدين انه بعد ظهر الاحد الفائت اجرى المدعي العام لدى المحكمة الدولية دانيال بلمار اتصالين برئيس الجمهورية ميشال سليمان والحريري ولم يوفق ببري لانه كان خارج السمع، وابلغهما بلمار انه سيقدّم تقريره الى قاضي الاجراءات التمهيدية دانيال فرنسين ظهر الاثنين، وانه سيعلن عن هذا الاجراء في اليوم التالي اي الثلثاء.
في هذا الوقت كان سليمان مشغولا في التحضير للاستشارات النيابية ولا سيما ان اكثر افرقاء المعارضة اعطوا اشارات ايجابية في اتجاه تسمية الرئيس عمر كرامي، وكان موقف جنبلاط متمايزا عن المعارضة، وهذا ما اعلنه لقياداتها، الى ان اظهره في صورة جلية اكثر في موقفه الاسبوعي في مجلة "الانباء".
وثمة مبادرة داخلية كان يجري العمل لها مساء الاحد، وخصوصا بعد تبلغ الافرقاء بموعد تقديم بلمار القرار الاتهامي الى فرنسين.
ووصف بري هذه المبادرة امام الوفد التركي – القطري "بمبادرة اللحظة الاخيرة" والتي ولدت عند استقباله جنبلاط بعد ظهر الاحد الفائت.
واخبره رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي انه كان قد تلقى رسالة من الحريري عبر العقيد وسام الحسن مفادها انه يوافق فيها على ورقة الحل السعودية – السورية والمتعلقة بطريقة تعامل لبنان مع المحكمة الدولية، فضلا عن موضوعات اخرى.
وعند اللقاء الاخير الذي جمع الحريري وجنبلاط، سأله الثاني هل هناك توافق فعلا على هذه الورقة، فرد عليه بالايجاب.
حمل جنبلاط هذه الافكار الى بري، وهي تركز على ثلاث نقاط:
– وقف تمويل لبنان للمحكمة الدولية.
– سحب القضاة اللبنانيين منها.
– الغاء البروتوكول الموقع مع الامم المتحدة.
وتحدث بري هنا عن ثماني نقاط اخرى "تصب جميعها في مصلحة الحريري".
وأكد لجنبلاط انه اذا عقد الحريري مؤتمره الصحافي هذا وحدد فيه التزامه المبادرة فلا مانع من تأجيل الاستشارات النيابية، "وأنا من جهتي أقول إن 80 في المئة من قوى المعارضة ستسمّي الحريري رئيساً للحكومة المقبلة، واذا لم يوافق رئيس "تكتل التغيير والاصلاح" النائب ميشال عون على هذا الموقف فسأزوره وأتمنّى عليه السير بهذا المسعى، وعلى الأقل سأطلب منه الامتناع عن التسمية لنبقي اسم سعد الحريري وحده".
ونقل بري الى الموفد الذي زاره الثلثاء هذه الوقائع، التي تنال في رأيه قبول "حزب الله" والحريري، وثمة قاعدة مشتركة شرط أن يعقد الأخير مؤتمراً صحافياً يعلن فيه موافقته على الأفكار التي طرحها أمام جنبلاط، قبل أن يتحدث بلمار عن رفعه تقريره الى فرنسين.
خرج جنبلاط برفقة الوزيرين غازي العريضي ووائل أبو فاعور من الجلسة بالاتفاق على إنجاح هذه المبادرة. وتمنّى عليه رئيس المجلس أن يحصل على جواب سريع من الحريري في هذا الخصوص، ليرتب رئيس المجلس هذه التسوية ويبلغ حصيلتها الى السعوديين والسوريين "الذين لم يقصروا".
وطلب في هذه الاثناء من معاونه السياسي النائب علي حسن خليل "التوجه فوراً" الى قيادة "حزب الله" وقوى المعارضة الاخرى بغية اطلاعها على هذا المخرج.
وقبيل الثامنة مساء الاحد يحضر الى عين التينة النائب طلال ارسلان ويفيده بأن اوساط رئيس الجمهورية ترغب من دولتك (بري) ان تتصل بالرئيس سليمان وتطلب منه تأجيل الاستشارات النيابية في قصر بعبدا.
وخاطب بري الامير طلال، "لماذا اقوم انا بهذا الاقتراح فهو لفخامته، لكنه اذا اتصل بي فانا لن اعارضه".
ولم يقدم رئيس المجلس على هذه الخطوة "حتى لا تقول الاكثرية اننا خائفون من نتائج الاستشارات".
انتظر بري قبل ظهر الاثنين عقد الحريري للمؤتمر الصحافي الذي جرى الحديث عنه مع جنبلاط وقبل ساعة من توجهه الى قصر بعبدا تبلغ ان الاستشارات جرى تأجيلها الى الاثنين المقبل لتبدأ بعدها التحضيرات لقمة دمشق.
وفي ختام لقائه الموفد القطري – التركي ذكره له رئيس المجلس بحسب ما ابلغ "النهار" ان "الفريق الآخر فوت فرصة ذهبية كانت كفيلة بالخروج من هذه الازمة، ووصلنا الى الاستشارات النيابية في مناخ أفضل".
عشية تأجيل الاستشارات وما رافقها كان هناك سباق على ضبط الساعة على موعد رفع بلمار تقريره الاتهامي الذي سيزداد سخونة في الايام المقبلة، ولن تنفع عندها كل وسائل الاطفاء التركية والقطرية وسواها في اخماد هذا الحريق.