قديما كان كلام على "البلقنة" للاشارة الى قسمة العالم الحديث بين الشرق والغرب، فضلا عن قسمة سايس – بيكو بين الانكليز والفرنسيين في اعقاب تصفية الانتدابات في عدد من الدول العربية، اما اليوم فلا بد من ادخال تعبير "العربنة" على بعض دول المنطقة، اثر ما حصل في العراق واليمن وتونس والجزائر ومصر (…) ومثلها لبنان حيث ان انظمتها على كف عفريت اسمه التقسيم لاعطاء صبغة شرعية على ما حصل ويحصل حاليا المغرب العربي لم تعد مرتاحة الى اوضاعها لولا التشدد في قمع حركات التحرر، او حركات وضع اليد على السلطة مثل الحاصل في جزائر المليون شهيد!
وحدث ولا حرج عن الحال السائدة في الاردن المرشح لان يعاني من لعبة تقسيم تعيد الى الاذهان ما سبق قوله عن تحويل المملكة الى بديل لفلسطين الفلسطينيين جراء وضع اليهود يدهم على مناطق المقدسات الاسلامية والمسيحية من غير ان يظهر اعتراض عالمي جدي على ما تفعله حكومات العدو المتعاقبة لتغيير معالم القدس وتهويد ارض فلسطين وشعبها!
والذين اعتقدوا معظم الوقت ان لبنان سيكون الحلقة الاضعف في الجسم العربي خابت ظنونهم، بعدما اثبت هذا البلد الاصغر في المنظومة العربية انه الاقوى جراء مواجهته عواصف الخارج على انواعها وفي مقدمها عواصف اسرائيل وكل من يتصرف لتأدية الغاية الصهيونية من تقزيم لبنان ان لم نقل تفتيته، تارة تحت عنوان التصدي لمخطط "بلقنته" وتارة اخرى تحت عنوان جهوزية هذا البلد وحده لان يقف في مواجهة اسرائيل وفي استعادة فلسطين المغتصبة!
قد لا يكون هذا التصور وارداً في صريح العبارة لدى بعض اللبنانيين غير ان ما يحتم الاخذ به ان الدول الشقيقة الاخرى قد حمت نفسها من لوثة تحدي العالم في رهانات خاطئة اكبر من حجمها وحجم لبنان. مع العلم ان ما تحقق عبر النافذة اللبنانية قد فاق التصورات لكن من الضروري والواجب القول ان لبنان قد دفع الضريبة الفلسطينية – العربية من اللحم الحي ولم يقصر يوما في مجال التصدي للعدو الاسرائيلي من غير حاجة الى مكابرة زائفة بحسب بعض تصرفات واقوال من لم يقتنعوا بعد بحقيقة احجامهم الداخلية والاقليمية والدولية؟!
امام الواقع العربي المر، ان لم نقل الواقع الاثم تجاه لبنان، يمكن توقع الاسوأ على مدار الساعة. وكذلك توقع الاحسن في حال توضحت الرؤية الصريحة لبعض تجار السياسة الذين لم يتوقفوا لحظة عن تكبير احجامهم بوسائل زائفة، الا من وسيلة رفض الانجرار وراء "مشاريعهم ومخططاتهم المموهة والموهومة" التي يتكلون عليهم للعب ورقة الشارع ومعها ورقة الغوغاء والديماغوجية، وهيهات لو يعرف هؤلاء معنى "البلقنة" الآنفة الذكر، فيما المؤكد انهم يعرفون مخاطر "العربنة" كي لا نقول ما هو اسوأ منها من دلالات تؤكد السير وراء ما تفرضه مصالح البعض بالنسبة الى الالتزامات لا رابط بينها وبين المصلحة اللبنانية العليا؟!
بالامس تحديداً افاق اللبنانيون على خبر "تجمعات شعبية" على طريق مطار رفيق الحريري الدولي. وهي المنطقة المحسوبة تلقائيا تحت سيطرة حزب الله. كما تردد ان عناصر من الجيش وقوى الامن الداخلي قد تحركت باتجاه تواجد التحركات المشار اليها فيما لزم من يعنيه الامر في حزب الله وحركة "امل" الصمت حيال ما يحصل. الى ان تبرع وزير الشباب والرياضة في الحكومة المستقبلية علي عبد الله، بوصف التحركات بانها عفوية. فيما كان الافضل له ولغيره القول ان "اي تحرك في المنطقة محظور في المطلق في حال لم يلق قبولاً من حزب الله وحركة "امل" وهو لم يقل ذلك ربما لانه لا يريد اعطاء التفسير الصحيح والواقعي للحادثة!
اللافت في المقابل، ان الوزير السابق وئام وهاب كان اكثر صراحة من الوزير عبد الله عندما حذر القوى الامنية من "اية محاولة للتعرض للناس في حال كانوا يعبرون عن رأيهم". واشار بالتالي الى ان "الوضع غير مستقر ولن نسمح لاحد باستباحة اعراضنا وارضنا ومقاومتنا". وتساءل "لماذ يحق لاهل تونس ان يواجهوا قوى الامن وهنا ممنوع"؟ واستدرك وهاب في معرض تأكيد جديته بالقول "لن نسكت في حال حصول اعتداء على الناس من جانب قوى الامن الداخلي"!
بعد "البلقنة" و "سايس بيكو" و"العرقنة" و"السودنة" و "اليمننة" و"المصرنة"، ثمة من يؤكد ان "اللبننة" ليست بعيدة طالما ان هناك، من يشتغل على "مشروع فتفتت البلد" عن سابق تصور وتصميم، والدلائل ليست منحصرة بحادثة امس على طريق المطار، بقدر ما يجسدها كلام بعض اركان قوى 8 اذار منذ ايار من العام 2008 حيث رصد خروج على السلطة وعلى الانضباط من قبل من يعتقد ان بوسعه وضع يده على البلد عندما يحلو له خلق الظروف المناسبة لذلك؟!