كم دقّينا ناقوس الخطر وما من سامع. الكلّ صمّ أذنيه. وبات كلّ النّاس مفقوهي العيون. وحدنا رأينا ما لا يُرى وسمعنا أزيز الرّصاص في أزقّة بيروت يوم كانت حمائم السلام هاربة في سمائها. حذّرنا من هذا المحظور وقلنا انّ السلاح قد يفرض هيبة، وهيبة السلاح بدورها تعطي صاحب السلاح الحقّ في حكم صغائر النّفوس، الا أنّنا من كبائرها. نحن ببساطة لا نخضع، لا نركع، لا نهلع، ولا نُصرع. باعنا طويل في معارك الشرف، وساحات المجد لا تتّسع لانتصاراتنا وانكساراتنا. اعترفنا متى انكسرنا، كما اعترفنا متى انتصرنا.
لقد نجحوا في ما مضى بأخذ الوطن حيثما أرادوا لكن، متى انتزعنا منهم هذه القدرة في 14 آذار 2005، فقدوا صوابهم وأغروا صاحب أصغر نفس، من كادت رقبته تقبّل ركبتيه، يوم انحنى أمامهم لتوقيع ورقة تفاهم. أخذوا الوطن وأسروا قراره في الحرب والسّلم حتى بعدما تجرّأنا وواجهنا سلاحهم.
أمّا اليوم فلن نسمح لكم يا أصحاب البيارق الخريفيّة التي باتت تلفظ آخر أنفاسها تحت أقواس العدالة الدّوليّة.
الوطن… لن نسألكم الى أين؟ لأنّنا نعرف الجواب، بل نسأل من ناصبكم وأهداكم 70 % يوم كانت السبعون على حساب تحالف فكّ أسر اعتقال أحدى عشر عامًا من الحرّيّة الرّاقدة تحت أقواس ذلّ الذّمّيّين في هذا الوطن. نسألهم أي حلفاءكم إلى أين تأخذون الوطن؟ إلى مزيد ومزيد من خضوع وخنوع على حساب تبرّككم من كرسيّ لن تطاله زعاماتكم؟ هل ببساطة تأخذون الوطن الى معركة عداء مع المجتمع الدّوليّ بأسره لتقولوا بالنّهاية كرمى عيون السّيّد؟
لا وألف لا لن نسمح لكم ولا لحلفائكم بأسر الوطن مجدّدا بإسم المقاومة والتّحرير ولا باسم الإصلاح والتّغيير. كفاكم استخفافا بعقول الشّرفاء. أهديناكم شرف المقاومة فكفّنتموه بأكفان الغدر.
هذا المشهد اعتدنا على مروره على شاشاتنا، يوم غزا النظاميون الشوارع الآمنة في السّابع من أيّار وفرضوا أمراً واقعاً على كلّ من شاركهم الوطن. لكن ما يصحّ في الأمس لا يصحّ اليوم. بالأمس الدّولة كانت بلا رئيس والجيش كان مكبل القرار. أمّا اليوم فبالحدّ الادنى لدينا رئيس جمهوريّة نفتخر به وجيش وطنيّ يزيدنا افتخاراً برئيسنا وبوطننا وبحكومتنا. وكلّنا يقين بأنّنا لن نخذل حتى لو زرنا دمشق، فنحن نزورها مرفوعي الرّأس وبيارقنا تغزو سماها بكلّ جرأة. وجرأتنا استمدّيناها من جرأة من قاوم الإغتيال أمثال المناضلة مي شدياق والوزيرين مروان حمادة والياس المرّ.
وفاتهم أنّ المشهد الذي يرونه اليوم على الشاشات في تونس كان سبق له وحصل في 14 آذار 2005 وما كان ليحصل في تونس لولا لم يتّعظ التونسيّون من مشهد الحرّيّة اللبنانيّة الذي شقّ بحار العالم ببيارق الحرّيّة والمجد والعزّة والكرامة. فلبنان اليوم ليس بتونس، فلا يهددنا أحد بانقلاب تونسيّ، لأنّنا سبقناهم ونحن من علّم العالم كيفيّة الإنقلاب السّلميّ.
كلّ المحاولات فاشلة حتمًا، وحدها الدّولة باقية لئن تعرّضت لنكسات ونكبات فهي ستصمد حتمًا. الوطن الى أين؟ معروف الجواب. لا نخفي سرّا إن قلنا الى مزيد ومزيد من الإضطرابات والمشاكسات التي ستكون شبه يوميّة، لكنّنا سنواجهها في الغد كما اليوم بوحدة وقوّة جيشنا الباسل وبحكمة رئيس بلادنا وبصلابة الدكتور جعجع وكلّ زعماء 14 آذار والوطنيّين الشّرفاء.
الوطن… الى مزيد من الإزدهار والإستقرار. نحن كلّنا تفاؤل لسنا متشائمين من مصير الوطن. مهما اهتزّت الأرزة فهي لن تقع ولم تقع يوماً. فلقد واجهت الرّياح العاتية غربًا وشرقًا في الماضي القريب والبعيد وما زالت صامدة تكلّل جبالنا وبيارقنا. لا تخافوا من مارد الوهم ولا من حلفائه. سيرتاحون تحت قوس العدالة، وسنكتب من جديد التّاريخ الذي كان لنا الشّرف في صنعه. الوطن … الى أين؟ نسألهم ولا ننتظر الجواب.