يبدو أن عمى البصيرة أصاب "حزب الله" وأزلام سوريا في لبنان، فباتوا يرتكبون الخطأ تلو الآخر من دون أن يحسبوا أبسط الحسابات لأخطائهم والنتائج التي قد تترتب عنها.
هكذا أقدم وزراء "حزب الله" وجماعة "8 آذار" على الاستقالة وإسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري في خطوة ظنوا أنها ستمكنهم من إجراء استشارات نيابية ملزمة ينالون خلالها أكثرية الأصوات لتسمية رئيس جديد للحكومة من صنفهم وصفّهم، ويشكلون بالتالي حكومة من لون واحد، اللون السوري- الإيراني، فيطيحون بالمحكمة الدولية ويحكمون البلد بقوة السلاح والترهيب. ولذلك دعا الوزراء المستقيلون في بيان الاستقالة رئيس الجمهورية الى القيام بالخطوات اللازمة لإجراء الاستشارات النيابية في أسرع وقت ممكن!
لكن حساب الحقل لم يتطابق مع حساب البيدر، فتبيّن لمجموعة "8 آذار" أن الأكثرية لا تزال في مكانها، وبالتالي فإن الرئيس الحريري سيفوز بالأكثرية المطلوبة ليعود رئيسا مكلفا، رغما عن إرادة المحور السوري- الإيراني. ولذلك سارع أقطاب "8 آذار" لممارسة كل أنواع الضغوط لتأجيل الاستشارات النيابية إنقاذا لماء الوجه.
هكذا انتقلوا الى الخطوة التالية: التحضير للانقلاب عسكريا وميدانيا لتحقيق ما فشلت خطوة الاستقالة من الحكومة من تحقيقه. فجرت عملية انتشار أمني صباح الثلثاء في مناطق عدة من العاصمة بهدف استعراض القوة وإرسال أكثر من رسالة الى الداخل والخارج.
يظن "حزب الله" ومن وراءه أن الجيش اللبناني والقوى الأمنية الشرعية ستبقى على الحياد ولن تتحرّك. هكذا يتمنون، وهذا ما عبّر عنه أحد أبواقهم السخيفة وئام وهاب الذي قال في حديث تلفزيوني إن "الجيش لا يتدخّل ضد الناس وهو يعرف أنّ لا إمكانية للتحرّك ضد الناس وأنّ القوى الأمنيّة مثل "الدرك" تعرف أنّه في حال سقوط أي جريح أو قتيل لن تكون بعده مراكزها بمأمن". وكرر تأكيده أنّ "الجيش لن يتحرك".
هذا هو رهان "8 آذار" أن يقف الجيش مكتوف اليدين حيال أي تحرك ميليشيوي وأمني لـ"حزب الله" وأتباع سوريا. لكننا واثقون أن الجيش لا يمكنه أن يقف متفرّجا إزاء أي تحركات مشبوهة كما حصل صباح الثلثاء. ولذلك تحركت وحدات الجيش في بيروت وسيّرت دوريات مؤللة، وكان ذلك عاملا أساسيا وحاسما لسحب العناصر الأمنية التابعة للحزب.
ولا أحد من اللبنانيين يصدّق أن من تجمّع في بعض التقاطعات في العاصمة في ساعة محددة وبلباس موحد حاملين أجهزة لاسلكية ومن ثم انسحبوا بناء على أوامر عسكرية حزبية، هم مواطنون مدنيون!!!
إن "حزب الله" يسعى منذ فترة أن يحوّل لبنان غزة ثانية. فشل في أيار 2008 من تحقيق أهدافه، وسيفشل حتما عند أي محاولة لأن لبنان ليس غزة ولن يكون.
ولبنان ليس غزة لهذه الأسباب:
أولا، إن في لبنان جيشا قويا وباسلا تمكن من تحقيق انتصارات في محطات مفصلية، كمثل ما حصل في نهر البارد ضدّ إرهابيي "فتح الإسلام" وفي العديسة ضد العدو الإسرائيلي، والجيش جاهز دائما وأبدا كما أكد تكرارا قائده العماد جان قهوجي على حماية السلم الأهلي وأمن جميع اللبنانيين ومنع أي طرف من الاعتداء على أي طرف آخر.
ثانيا، إن في لبنان شعبا حيّا لا يستسلم للترهيب والتهويل. شعب قاوم كل الاحتلالات التي تعاقبت على أرضه. شعب انتفض على الاحتلال السوري والنظام الأمني في 14 آذار 2005 ليقول إن لبنان يستحق الحياة وإن اللبنانيين لن يقبلوا بأقل من وطن سيد وحرّ ومستقل وبجيش واحد وسلاح واحد وبعدالة تنال من جميع المجرمين.
ثالثا، إن الأكثرية الساحقة من اللبنانيين تتمسّك بالعيش المشترك في ظل نظام ديمرقراطي يصون الحريات ويحفظ التعدد والتنوع الداخلي الذي يشكل مصدر غنى حضاري لكل الشرق الأوسط والعالم.
ولذلك فإن معركة اللبنانيين اليوم باتت تتمحور حول مستقبل لبنان، بين أن يكون منارة للشرق كما تريد له قوى "14 آذار" وبين أن يصبح غزة ثانية ومنصة إيرانية متقدمة على ضفاف البحر الأبيض المتوسط بنظام تيوقراطي توتاليتاري وشمولي كما يطمح "حزب الله" الى تحويله.