#adsense

أشباح انفصال وتقسيم ؟ طبعاً الوضع خطير جداً !

حجم الخط

أشباح انفصال وتقسيم ؟
طبعاً الوضع خطير جداً !

في أشدّ ساعات التازّم التي عرفها لبنان منذ ربع قرن ويزيد. وفي أكثر المراحل الحرجة والخطرة التي مرّ بها، حتى في خلال الحروب التي اجتاحته واستمرت عقدين من الزمن وانتهت باتفاق الطائف. على امتداد كل هذا الزمن الناري الخطير، لم يصل الأمر بالمملكة العربية السعودية الى ما وصل أمس من الغضب الممزوج بالخيبة، وقد عبّر عن هذا الأمير سعود الفيصل وزير الخارجية عندما قال إن المملكة رفعت يدها عن الوساطة التي أجرتها مع سوريا لحلّ الأزمة في لبنان!

كان واضحاً في نظر الكثيرين ان الرياض تحمّل سوريا مسؤولية ما آلت اليه الاوضاع من الفشل، لأن الزعيمين السعودي والسوري كانا قد توصلا بعد اتصال من خادم الحرمين الشريفين بالرئيس الاسد الى "التزام إنهاء المشكلة اللبنانية برمتها، ولكن لم يحدث ذلك". لهذا رفع الملك عبدالله يده عن الوساطة، فانهارت معادلة "س. س" التي طال الحديث عنها.

❒ ❒ ❒

لم تكتف المملكة بهذا الاعلان المدوّي الذي يعبّر صراحة عن يأس وعن غيظ ايضاً لأسباب ليست خافية على احد، سواء لجهة اهمية لبنان والحل فيه بالنسبة الى الملك شخصياً، او لجهة المبادرة التي قام بها في قمة الكويت كمقدمة لإصلاح العلاقات العربية على ان يشكل حل الأزمة اللبنانية مدخلاً حيوياً الى هذا الاصلاح، أو لجهة المساعي العملية، التي بذلتها الرياض وشكّلت القمة الثلاثية، التي حملت عبدالله والاسد وعقدت مع ميشال سليمان في بيروت، مفترقاً أساسياً فيها، خلق آمالاً واسعة بالخروج من الأزمة الناجمة أصلاً عن عمل المحكمة الدولية التي تنظر في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه.

فعندما يقول وزير الخارجية السعودي "إن الوضع في لبنان خطر… وإنه إذا وصلت الأمور الى الانفصال وتقسيم لبنان انتهى لبنان كدولة تحتوي على هذا النمط من التعايش السلمي بين الاديان والقوميات والفئات المختلفة"، فإن ذلك لا يعني أن مصير لبنان كوطن ودولة يقف الآن على المحكّ، في ظل المخاوف من الانفصال والتقسيم، وهذا تحذير غير مسبوق لا في تاريخ الديبلوماسية السعودية ولا في أشدّ ساعات اليأس والخطر التي طالما تهددت لبنان.

إن هذا الكلام الخطير، يعني أيضاً أمرين آخرين:
❑ أولاً – ان الانفصال والتقسيم وإسقاط التعايش السلمي بين الاديان والقوميات في لبنان، إنما يشكّل شرارة خطيرة جداً يمكن أن تشعل المنطقة من أقصاها الى أقصاها، وهو أمر لا يريده كثيرون، وغالباً ما اجتهدت الرياض وكثّفت مشاوراتها مع طهران لمنع انزلاق لبنان الى الفتنة المذهبية كما هو معروف.

❑ ثانياً – ان هذا الكلام عن التقسيم والانفصال، إنما يشكل قرعاً لجرس إنذار مدوّ في وجه اللبنانيين والعرب وكل الدول المهتمة بحل الأزمة في لبنان. وهو إنذار يتجاوز الدول الثلاث، أي تركيا وقطر وسوريا، التي اجتمع زعماؤها في دمشق في محاولة استلحاقية لاستنقاذ الوضع الآخذ في مزيد من التوتر والاحتقان، وكان من نتيجتهما بعد اسقاط الحكومة، خلافاً للاتفاق الضمني بين "س. س" كما يتبيّن أولاً من كلام الفيصل، وثانياً بروفات النزول الى الشارع، وهو ما ضاعف المخاوف من احتدام حال من الفوضى الامنية اذا حصلت اي محاولة انقلابية في البلاد. كما ان هذا الانذار يتجاوز "مجموعة الاتصال" التي يدعو الرئيس نيكولا ساركوزي لتشكيلها بهدف البحث عن شبكة امان تحمي لبنان الآن تحديداً بعد احالة القرار الاتهامي على القاضي دانيال فرنسين.

❒ ❒ ❒

ما يزيد من خطورة ما أعلنه الامير سعود الفيصل ان كلامه جاء في وقت كان الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني والوزير احمد داود اوغلو غارقين في بيروت، في سلسلة من النقاشات والمحادثات مع المسؤولين والزعماء اللبنانيين، قيل انها تناولت مسعى "س. س"، لكن سرعان ما تبيّن اولاً انها اصطدمت بشروط المعارضة، وثانياً انها كانت مجرّد محادثات تدور في حلقة مفرغة لا تقدّم ولا تؤخّر. فهما لا يحملان افكاراً محددة لكنها يحاولان استنباط افكار من الافرقاء المنقسمين في لبنان!
هل يمكن المراهنة بعد الآن على احياء مسعى "س. س" بعد الموقف السعودي الحازم والجازم الذي يشبه توجيه انذار في اتجاهات كثيرة؟

ليس من السهل الافتراض انه يمكن احياء هذا المسار. فالسعودية لم يسبق ان وصلت الى هذا الحد من اليأس والغيظ، وليس قليلاً ان يقرر الملك عبدالله رفع يده عن الوساطة المشتركة مع سوريا في وقت رشح ما يؤكد كلام الرئيس سعد الحريري، بأنه نفّذ وفق المسعى المذكور، كثيراً من البنود المطلوبة منه منذ تصريحه لجريدة "الشرق الأوسط"، في حين لم ينفّذ الطرف الآخر ما اتفق على أن يبدأ تنفيذه. وفي هذا السياق قيل انه كان هناك اتفاق للحفاظ على المؤسسات الدستورية الأربع الرئيسية في لبنان، وهي: رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة والجيش والبرلمان. وان الرياض سعت لتثبيت هذا الوضع، لكن مع اسقاط الحكومة خلافاً لاتفاق الدوحة ثم نقض الاتفاقات وإسقاط مسعى "س. س".

❒ ❒ ❒

في أي حال، يتجاذب الوضع في لبنان الآن ثلاثة أمور:
❑ أولاً: استمرار الفراغ الحكومي لمدة طويلة. فمن المرجح ان الاستشارات لتشكيل حكومة لن تحصل قريباً. وصدور القرار الاتهامي في غياب حكومة كاملة الصلاحية هو أفضل بالنسبة الى حسابات سوريا والمعارضة وهذا يعني حتى ان حكومة تصريف الأعمال ستعمّر طويلاً.

❑ ثانياً: هناك اتجاه الى تصعيد متدحرج في الشارع قد يتجاوز في اي لحظة نزول الحشود في عرض حي لما يمكن ان تؤول اليه الامور من الفوضى التي يخشى ان تتحوّل في غفلة من الجميع انفجاراً أو حريقاً كبيراً.

❑ ثالثاً: هناك انتظار متوتر لمحتوى القرار الاتهامي، الذي تكرر مصادر في المحكمة الدولية بعد تصريح دنيال بلمار، أنه سيحدث دوياً يتجاوز دوّي جريمة اغتيال الحريري.

وباختصار، مصير لبنان على كف عفريت، فليس قليلاً ان تصل الامور بالملك عبدالله الذي كرر دائماً "ان لبنان قرّة العين"، حد رفع يده من "س. س" وان يحذّر سعود الفيصل من انفصال وتقسيم ونهاية وطن التعايش!

المصدر:
النهار

خبر عاجل