يتندر احد نواب التيار الوطني بما حدث اول امس الثلاثاء من ظهور مدني باللباس الاسود، ويقول ان رد فعل قوى 14 آذار ومن معهم اظهرهم في حال يرثى لها، "مع علمنا وعلمهم" ان الظاهرة اقتصرت على عراضة مدنية فكيف اذا رافقها سلاح في المرة المقبلة"؟.
هذا الكلام لا يعكس فقط وجهة نظر الحليف العوني لانه غاية الغايات بالنسبة الى معظم قوى المعارضة التي لا ترى مستقبلها السياسي والشعبي الا من خلال المشهد الدموي الذي تلوح به عند اول اشارة الى قرار المحكمة الجنائية الدولية الذي لا يكفي انه هزهم في العمق بقدر ما هم وضعوا انفسهم في مجال التصويب القضائي في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري وغيره من ضمن مسلسل الانتقام السياسي المبهم الذي حصد رسميين ووزراء ونوابا وحزبيين واعلاميين واوقع العشرات من الابرياء الذين صادف وجودهم في اماكن استهداف الجاني والمجرم؟!
صحيح ان مشهد "الشباب بالزي الاسود" حك على جرح جماعة ميشال عون الذين استعادوا ذكرى اخراجه المذل من قصر بعبدا، بنسبة تذكر حروبهم العبثية التي نقلتهم من هدف وطني تمثيلي كاذب الى ضفة "الانبطاح" على اعتاب من تصوروا ان بامكانهم استعادة "مجد اغتصاب السلطة" بواسطتهم، بل من خلالهم فقط، بعدما اثبتت التجارب ان "زمور الجنرال لم يعد يفعل فعله" كونه تعارض مع صلب المعزوفة الوطنية التي انطلت على البعض تحت عنوان "يا شعب لبنان العظيم" الذي تحول الى ما يشبه مزرعة دواجن لمجرد انه مؤهل لان ينسى ماضيه (…) وكيف اذا كان حاضره جاهزا للاهتزاز "عندما تدعو حاجة غيره لان يرتدي الزي الاسود" مع كل ما يعنيه السواد في هذه المرحلة من استعداد مبرمج لتفتيت البلد؟!
وما يثير السخرية بالتزامن مع الخوف، ان بعضهم يتصور ان مصلحته تكمن في تلبية نداء الواجب من غير حاجة الى تحديده، حتى وان كان المقصود خلق المزيد من التوتر القابل للاشتعال، لاسيما ان تجربة الثلاثاء الاسود استدعت الاحتكام الى القوى العسكرية والامنية الشرعية للجمها قبل ان تتطور الى "حال شارع" غير بعيدة عما حصل في عدد من الدول العربية وآخرها "تونس الخضراء" التي تحولت بين ليلة وضحاها الى ثورة متعددة الاهداف والغايات، طالما ان "الرأس المدبر غير معروف حتى أشعار آخر"!
والذين يدعون الى المسارعة في دعم متغيرات السلطة في تونس لا يختلفون بشيء عمن يدعو عندنا الى تغيير النظام اللبناني، مع علم من لم يعلم ربما ان "نظامنا البرلماني – الديموقراطي" قد انتهى الى غير رجعة من لحظة الاحتكام الى اتفاقات وتفاهمات خارجية لا علاقة لها بالمصلحة الوطنية وبالصالح العام في لبنان، بدليل ان كل اتفاق سابق احتاجت ترجمته على الارض الى سيل من الدماء والى سيول من الدمار (…) اضف الى تفريغ البلد من اركان الحركة الاقتصادية – المالية بما في ذلك هجرة الشباب بحثاً عمن يحترم علمهم وحياتهم وحاضرهم ومستقبلهم!
الذين وجدوها مناسبة للتندر بالرعب الذي احدثه "الزي الاسود"، مرشحون لان يعانوا مباشرة من ظروف مماثلة قد لا تكون مستبعدة في حال تغيرت حساباتهم (…) وبالتالي تحالفاتهم التي حولتهم الى أسرى مصالح سياسية وانتهازية نافرة بحسب اجماع من لا يرى رأيهم. وهؤلاء ليسوا قلة في النتيجة الا في حال استخدام الميزان العددي الذي يعمل به في معرض "التخمة البشرية" المجربة في دول العالم الثالث القابعة تحت حماية "النظام الواحد" وليس من يفهم أهمية الاتعاظ من التجارب الداخلية والاقليمية والدولية، ان لجهة عدم احترام الشريك في الوطن او لجهة تحديد الماهية الوطنية في حال تغيرت الحسابات او طرأ عليها ما يستوجب اعتماد غير اللون الاسود؟!
وقياساً على ما تندر به النائب العوني الى حد التبشير بان ظاهرة "الثلاثاء الاسود" مرشحة للتكرار، فان مسؤولا سابقا يقول انه "لو اراد الاعتماد على نصف الحلول التخويفية المطروحة من جانب قوى 8 اذار لما كان اضطر الى الابتعاد عن الواجهة السياسية". وفي رأي المسؤول السابق انه عند "حساب ما قد يطرأ من سلبيات، فذلك يكفل وحده صرف النظر عن التصعيد القائم (…) بل عن التمرد الذي تخطط له جهات بارزة في المعارضة، مع انها تعرف كخلاصة حتمية "ان التغيير لن يتخطى وضع اليد على الجمهورية وعلى السلطة"!
اما بعد، فهذا ما لم يرد في اذهان المراهنين على مصالح ذاتية موقتة، "لان الجمهورية تحتاج الى مقومات كي تستمر وتنهض. فهل بوسع المعارضة مثلا الاتكال على اعتراف من جانب ايران، هذا في حال لم تسقط ومعها البلد في قبضة الارتهان لطهران ولغيرها، بحسب ما هو واضح وصريح!
صحيح، ان الشيطان الاميركي الاكبر لا يزال يصر على وضع لبنان امام خياراته، لكن كيف سيكون المشهد السياسي والشعبي في حال كان اصرار مماثل على وضع لبنان في الخانة التي ترضي حزب الله ومعه ميشال عون، حيث لن تكون خيارات بعد ذلك مهما استخدمت المعارضة من وسائل تخويف وتهديد؟!
في النتيجة، على من يتذكر "زمور الجنرال" ان يدرك ولو متأخراً ان "التغيير الديماغوجي لا بد وان يوصل الجميع الى العفن السياسي والوطني"؟!