#adsense

“تسعون” صاحب الغبطة

حجم الخط

"تأمّلتْ في وجهي مطوّلاً ثمّ قالت: أظنّ أنّ مسلمي لبنان سيخرجون محتشدين إلى صرح بكركي ليطالبوا بطريرك لبنان بسحب استقالته"، هذه المشاعر الصادقة غمرت اللبنانيّين بالأمس بعدما أصغوا إلى بطريركهم وهو يتحدّث عن بلوغه "التسعين" ثم يرادف بتلك الجملة: "عملنا ما باستطاعتنا ولكن كل شيء له نهاية، ووصلنا الى سن التسعين وبعدها يجب ان نفكر في أبديتنا قبل كل شيء، ولذلك رأينا أنه من المناسب أن نقدم استقالتنا لقداسة الحبر الاعظم، وحتى الآن لم نتلق جواباً، ولكن على كل حال نحن باقون معكم ونتحمل ما تتحملون، وإذا كان هناك من ايام سعيدة سنسعد معكم كما تسعدون بها، ونسأل الله أن يوفقنا جميعاً وأن يبقي لبنان وطن المحبة والتعاون والاخلاص لجميع أبنائه".

هو ليس بالأمر السّهل على اللبنانيين ما قاله صاحب الغبطة بالأمس، في وقت نجد فيه "لحىً" كثيرة لا تفكّر في "أبديّتها"، ولا في وقوفها بين يديْ الحقّ، ولا تفكّر في أن تُريح اللبنانيين من "خِلَقِها المكشّة"، أوّل الخاسرين هو لبنان، ثمّ المسلمون قبل المسيحيّين من بنيه، "مار نصرالله بطرس صفير" على وجه الخصوص حاضر في وجدان كلّ لبناني كصوت الضمير.

صاحب الغبطة يحقّ له أن يرتاح، أن يأخذ وقتاً لنفسه وخلوته الروحيّة، إلا أن ما شقّ على اللبنانيين بالأمس مخاوف كثيرة أولها السؤال: هل من رجل للبنان بصلابة غبطته، بصوته الذي لا يخشى في الحقّ لومة لائم، لحرصه على اللبنانيين ووحدتهم، لخوفه على المسيحيين من "جنون" يجتاح من مزّق وحدتهم ومزّق لبنان وسلّمه على طبق من فضّة في "أعتى" مؤامرة على الموارنة خصوصاً والمسيحيين عموماً، والمحزن أنّ كلّ التجارب المرّة التي عايشها غبطته، ما زالت تنشب أظافرها في الجسد اللبناني تنهشه بلا رحمة…

غمرني حزنٌ شديد، على صاحب إرادة صلبة لطالما شعر اللبنانيّون أنهم يستطيعون أن يركنوا إلى صلابتها وأن يفزعوا إلى صوتها ليقول عنهم ما لا يستطيعون قوله، عزّ عليّ أن يتحدّث غبطته عن "تسعون" عاماً أتمّها – أطال الله في عمره – فيما عايشنا ميخائيل نعيمة ناسك الشخروب وقرأنا له "سبعون" ثم قرأنا له "تسعون" ولم يستقل من تنسّكه للقلم والفكرة…

غبطة مار نصرالله بطرس صفير، تحمّل الكثير من الآلام عن لبنان ومن أجله، يحقّ له باستراحة من معارك طويلة خاضها دفاعاً عن لبنان، وعن اللبنانيين، ويعزّ على هذا الوطن أن يتعب غبطته من السنين في وقت لبنان في أمس الحاجة إلى حكمته، يا صاحب الغبطة؛ يعزّ علينا أن تشعر بعبء السنين في وقت لبنان في امسّ الحاجة إلى غبطتك، يضاعف حزن اللبنانيين ويزيد كثيراً من مخاوفهم أن لا تكون غبطتك بطريرك لبنان وإنطاكية وسائر المشرق، وحامي الكنيسة التي أعطت للبنان وجوده وكيانه واستقلاله، جزء حميم أنت في ضمير كلّ لبناني، وفي هذا الوقت الحالك إن كان لنا من أمنية، فهي إلى جانب أن يمنّ الله على لبنان بالأمن والعدالة ويحميه من الذين يسعون لأخذه رهينة إلى الهاوية، إن كان لنا من أمنية فهي أن يعتذر الحبر الأعظم عن قبول استقالتكم ، فوجودكم ضرورة لبنانيّة وفي هذا الوقت بالتحديد.

المصدر:
الشرق

خبر عاجل